د. محمد محفوظ : أخطاء الماضي القريب وخطوات المستقبل الصحيحة

( نحتاج جميعاً ـ أحياناً ـ إلى البدء من جديد )

قول مأثور

 

بصدور حكم المحكمة الدستورية بحل مجلس الشعب ؛ تنفتح مساحة زمنية جديدة أمام الثورة لكى تحقق أهدافها .

فقد زال ـ ولو مؤقتاً ـ الخطر الداهم الذى كان يمكن أن يؤدى إلى تسليم كل مفاصل الدولة لجماعة الإخوان المسلمين فى حال فوز مرشح الجماعة بمنصب الرئاسة .

وبزوال هذا الخطر مؤقتاً ؛ بعد حل مجلس الشعب ؛ فإنه سواء جاء إلى منصب الرئاسة الدكتور محمد مرسى أو الفريق أحمد شفيق ؛ فإن الفرصة ستصبح متاحة لإعادة تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور بما يحقق الحماية للدولة المدنية من الأهداف الظلامية غير المعلنة للتيار الاسلامى .

كما أن الفرصة ستصبح متاحة لإعادة ترتيب موازين القوى داخل مجلس الشعب ؛ بما يُعبِّر بحق عن هوية مصر المدنية التى تلتزم بالدين كجوهر ينعكس على ممارسات الحياة ؛ ولا تتاجر بالدين كشعار لتكميم وتكبيل هذه الحياة .

والواقع أن الفرصة أصبحت مواتية ؛ لكى تعترف كل القوى الثورية المدنية بأخطائها الفادحة ؛ التى أدت إلى توفير الفرصة لكل المتربصين للالتفاف على الثورة أو القفز عليها .

وتتمثل هذه الأخطاء الفادحة فى الآتى :

ـ غياب الكيان السياسى الموحد الجامع لكل القوى الثورية المدنية .

ـ غياب البرنامج السياسى المترجم لأهداف الثورة .

ـ غياب الرؤية السياسية الجازمة ؛ المانعة لأى تنسيق أو تقارب مع القوى المعادية للدولة المدنية الديموقراطية .

وفى تقديرى فإن هذه الأخطاء الفادحة كانت هى السبب الرئيسى فى الوضع الحرج الذى آلت إليه الثورة بعد عام ونصف .

لذلك ؛ فإن الفرصة المواتية لإعادة قوة الدفع للثورة لكى تحقق أهدافها من جديد ـ فى ظل المساحة الزمنية المتاحة لإعادة إجراء انتخابات مجلس الشعب ـ تتمثل فى ضرورة امتلاك كل القوى الثورية المدنية للإرادة السياسية التى تدفع إلى التوحد تحت مظلة واحدة فقط دون أى تشرذم ؛ بحيث تنضم كل تلك القوى إلى تحالف انتخابى موحد يتبنى مشروع مصر المدنية الديموقراطية ؛ فى مواجهة المشروع الظلامى للتيار الدينى أو المشروع النفعى لفلول النظام السابق .

وحتى يستطيع هذا التحالف الانتخابى الموحد امتلاك القدرة على المنافسة الحقيقية فى الانتخابات البرلمانية القادمة ؛ فإنه لابد من توفير المساندة المالية الضخمة له من عدد من رجال الأعمال الداعمين لفكرة الدولة المدنية الديموقراطية ؛ لأن الاعتماد على الجهود الذاتية أو التبرعات الفردية البسيطة ؛ هو أمر لن يساعد على الصمود فى مواجهة الانفاق المالى الخرافى الذى تصبه التيارات الدينية أو دوائر الفلول التى تريد العودة إلى المشهد . 

وفى حال حصول هذا التحالف الانتخابى الموحد على حصة مناسبة فى مقاعد مجلس الشعب ؛ فإن هذا سيمنحه الفرصة لكى يتواجد بكوادره داخل الحكومة القادمة بما يساعد على ضمان تحقيق بعض أهداف الثورة ويكبح من ممارسات الفساد والاستبداد . كما أن وجود هذا التحالف داخل مجلس الشعب سيساعد على ترجمة بعض مطالب الثورة إلى تشريعات ؛ وسيوفر الفرصة لتحقيق رقابة برلمانية فاعلة تساعد على تصويب خطوات السلطة التنفيذية أو تقييدها .

إذن ؛ فإن الكيان السياسى الجامع لكل القوى الثورية المدنية هو العامل الحاسم الذى سيمكن من خلاله صياغة البرنامج السياسى الموحد القادر على مخاطبة أكبر قطاع من المواطنين لنيل أصواتهم فى الانتخابات البرلمانية القريبة القادمة .

ومن المهم التأكيد على ضرورة عدم التورط مرة أخرى فى التنسيق مع القوى المعادية للدولة المدنية الديموقراطية أو الاطمئنان إلى تلك القوى أوالتقارب معها . فقد كشفت الفترة التى بدأت منذ الاستفتاء على التعديلات الدستورية فى مارس 2011م وحتى الآن ؛ كشفت عن مدى الانتهازية والخسة والدناءة السياسية التى تعامل بها التيار الدينى مع كل القوى الثورية المدنية ؛ كما كشفت عن الغباء والعته السياسى الذى يعانى منه هذا التيار ؛ عندما ظن أنه يتواطأ على الثورة مع المجلس العسكرى ؛ وتغافل عن حقيقة أن العسكر استخدموه للالتفاف على الثورة ثم إذا بهم ينقضون عليه بعد أن ظنوا أنه قد تحقق مرادهم .

لذلك ؛ ينبغى عدم الثقة أو التعاون مع التيار الدينى بكل أطيافه ؛ باعتباره تيار معادى للديموقراطية تتناقض أهدافه مع كل أهداف الثورة المصرية ؛ ويتلوث وعيه بالحلم العبثي لإنشاء دولة الخلافة الاسلامية ؛ الأمر الذى يتصادم مع الهوية الوطنية للدولة المصرية والمصالح الحقيقة المباشرة لشعبها .

إذن ؛ نحن أمام لحظة الحقيقة ؛ التى تمنحنا الفرصة مرة أخرى لكى تعرض الثورة نفسها بكيانها السياسى وبرنامجها السياسى على الناخب المصرى فى انتخابات البرلمان القادمة .

لذلك على كل من يراهنون على التيار الوطنى الثورى الذى تجلى فى نسب التصويت التى فاز بها التيار المدنى فى المرحلة الأولى من انتخابات الرئاسة ؛ أونسب التصويت التى خسرها التيار الدينى ؛ أن يعلموا بأن هذا التيار الوطنى الثورى ينتظر الكيان السياسى الجامع الموحد الذى يستطيع جذب كل تلك الأصوات المؤيدة لمصر المدنية الديموقراطية فى الانتخابات البرلمانية القادمة.

وبالتالى ؛ فإن استعادة أجواء التشرذم والغفلة والعته والغباء السياسى ؛ والجرى وراء المصالح الحزبية الضيقة أو التحالف مع التيارات المعادية للديموقراطية ؛ كل ذلك  سيكون هو المسمار الأخير فى نعش هذه الثورة التى لم يصبح أمامها إلا فرصة وحيدة واحدة .

وفى تقديرى ؛ فقد آن الأوان للدكتور محمد البرادعى لكى يظهر فى المشهد السياسى المصرى وبقوة ؛ باعتباره الوجه القادر على تجسيم أحلام هذه الثورة ؛ وبوصفه السياسى الذى أثبت خلال الفترة الماضية على أنه الأكثر قدرة على عدم التورط فى الخيارات السياسية الفاشلة أوالخاطئة .

.. أخطاء الماضى القريب لن تمنعنا ـ لو أحسنا التقدير ـ من البدء فى خطوات المستقبل الصحيحة .. لأننا نحتاج جميعاً ـ أحياناً ـ إلى البدء من جديد .

 

*****

دكتور/ محمد محفوظ

dr.mmahfouz64@gmail.com

ت : 01227508604