إيمان إمبابي : 5 يونيو.. ثلاثاء الإخوان الأسود!!

بعد ظهور الجولة الأولى فى الانتخابات الرئاسية.. عقدت العزم على إبطال صوتى.. لكنى مضطرة الآن للمقاطعة.. أما الأسباب ففى سطورى القادمة.

فى السادسة, مساء الثلاثاء الخامس من يونيو من العام 2012.. كنت أشاهد إحدى الفضائيات التى ثبتت كاميراتها على ميدان التحرير.. واقتربت الكاميرا من اثنين يخوضا الأجساد البشرية المتلاحمة محمولين على الأعناق.. وسط هتافات من الجماهير.. وتحيات بالأيدى من الاثنين.. كان أحدهما الدكتور محمد البلتاجى.. والآخر الدكتور أسامة ياسين.. والاثنان قيادات بارزة فى جماعة الإخوان المسلمين وحزبها.. والاثنان خرجا لتوهما من المجلس إلى الميدان مباشرة.

بعدها بساعات قليلة.. وكانت الساعة تقترب من التاسعة.. كنا ندخل أنا وزوجى ميدان التحرير.. قطعنا المسافة من جريدة الأهرام وحتى الميدان سيرا على الأقدام.. وخلالها سأل كثير من البشر زوجى السؤال المألوف: “هاتدى صوتك لمين يا أستاذ نصر؟”.. وكانت إجابته واحدة: “أنا هابطل صوتى”.. إجابة كان يعقبها الكثير من النقاش.. وعندما وصلنا إلى الميدان من شارع طلعت حرب.. لفت نظرى خروج مئات البشر ممن يرفعون لافتات المقاطعة أو إبطال الصوت.. وكانت أول مشاجرة.. رجل يرفع صورة المرشحين الاثنين مشطوب على وجهيهما.. إلتفت حوله جماعة من الإخوان وتعاملت معه بعنف.. وبعدها بخطوات قليلة.. وبالتحديد عند مطعم كنتاكى المجاور لكافيتيريا التحرير الشهيرة.. رفعت حركة شايفينكم لافتة مشابهة.. جرى التعامل مع أفرادها بنفس العنف.. ووصلنا إلى قلب الميدان بالتحديد عند الصينية أو الكعكة الحجرية كما أسماها الراحل أمل دنقل منذ سنوات.. إستوقفنا مجموعة من الشباب وكان السؤال نفسه: “هاتدى صوتك لمين يا أستاذ نصر؟”.. وبالطبع أجاب زوجى الإجابة ذاتها: “هابطل صوتى لا دة ولا دة”.. وبدأ النقاش.. وكان يقف إلى جوارى أحد شباب حركة 6 إبريل.. إتسعت الحلقة حول زوجى فلم أعد أراه.. هنا تدخل الشاب وحثه على التحرك.. وفجأة.. إنشقت الأرض عن ثلاثة من الملتحين.. الذين بدأوا هتافا كان غريبا: “نصر القفاص عدو الإخوان”.. أحاط زوجى مجموعة من الشباب للحيلولة بينه وبين أولئك الهاتفين الذين تنادوا بذلك الهتاف فصاروا عشرات يندفعون صوب زوجى.. هنا لم أعد أراه لكنى سمعت صوته يقول للشباب الذين يحاولون إخراجه: “زوجتى”.. إنشقت الأرض عن بضع عشرات من الشباب الذين ضربوا طوقا حولى.. لفصلى تماما عنه.. أمسك الشباب بأيادى بعضهم البعض حولى فى دائرة صغيرة.. كردون صغير ما لبث أن تحول إلى ما لا يقل عن أربعة كردونات متتالية.. بعدما نادى بعضهم البعض: “زوجة نصر القفاص”.. سمعت أصواتهم وهم يتحدثون.. ورأيتهم وجوههم جيدا وإن كنت لا أتذكرها الآن.. كانت أعمارهم لا تزيد عن الخامسة والعشرين عاما.. جميعهم غير قاهريين.. لكنتهم ريفية.. بعضهم ذوى لحى خفيفة.. وبعضهم بدون.. يرتدون قمصانا متواضعة مغلقة أزرارها حتى الزر الأخير عند الياقة.. وهو أمر غير معتاد فى مثل هذا الجو الحار.. ظلوا يرددون جملة واحدة تتكرر: “إحنا هانخرجك من هنا”.. لكنى أبدا لم أستطع الفكاك من قبضتهم.. ظللت محاصرة فى منتصف المنطقة بين الكعكة الحجرية.. ومطعم هارديز الشهير.. إنعدم إحساسى بالزمن تماما.. لا أدرى كم من الوقت أمضيت وسط هذا الحصار المضروب حولى.. عبر أيادى متشابكة لفتيان متوسطى القامة.. لكنهم جميعا أشداء.. إقتربت مرات عديدة من فقدان الوعى.. حالت بينى وبينه كميات المياة التى كان يتم رشها على من شخص ما أو أشخاص ما لم أرهم.. وأنا أنتظر شيئا ما ليحدث.. أن يتم الاعتداء على بدنيا مثلا.. وهو ما لم يحدث.. أن يتم تمزيق ملابسى مثلا.. وهى محاولة لم تنجح.. وبين تدافع وآخر كنت ألمح خارج تلك الأطواق المضروبة حولى أيادى ممدودة لانتشالى.. لم أفلح أبدا فى الوصول إليها.. وكلما امتدت إلى يد.. جرى دفعى عبر تلك الأطواق البشرية فى الاتجاه الآخر.. حتى استطاع أحدهم أن يمد يده فأتشبث بها.. وبسرعة جرى جذبى إلى الاتجاه الآخر.. ورأيت الشاب يقع على الأرض فانهار حلمى فى الخلاص.. وفجأة أنهضه آخرين فمد يده مجددا.. فأمسكته بكلتا يدى.. واستطاع أخيرا تخليصى من الدائرة المحكمة حولى.. جذبنى جريا إلى ممر جانبى.. وأنا أرى كلابا مسعورة تجرى خلفى محاولة اختطافى من الشاب ثانية.. وفجأة رأيت ساترا بشريا من بضع شباب حال بينى وبينهم.. جرى بى الشاب فى الممر.. ثم دفع بى إلى إحدى العمارات القديمة وأغلق الباب خلفى.. تلقفتنى أيادى 4 أو 5 شباب لا أتذكر جيدا.. وأجلسونى على “دكة” خشبية فى بهو العمارة.. ثم أحضروا لى ماء ومناديل ورقية.. وأنا أقول لهم عبارات هستيرية فقد كنت فى حالة انهيار: “إنتو إخوان”.. وهم يقسمون أنهم لا إخوان ولا ينتمون لأى تيار.. اثنين منهما كانا حارسين للعقار.. والآخران كانا من الشباب المتظاهر فى الميدان.. إنتبهت إلى امرأة وابنتها.. بدأت محاولات رهيبة لتهدئتى.. لم تمض دقائق حتى بدأ الطرق بعنف على باب العمارة الحديدى.. كان الباب مطعما بزجاج مكسور فى إحدى جوانبه.. فاستطعت أن أرى وجوه بعض من كانوا يحاصروننى فى الميدان.. وقف الشباب أمام الباب من الداخل مسلحين بعصى غليظة ومواسير حديدية.. مهددين من يحاول الاقتحام.. أدخلنى أحد الحارسين حجرته وأغلق على الباب ومعى المرأة التى عرفت بعدها أنها محامية.. وبالمناسبة كانت الغرفة مجرد باب يغلق التجويف أسفل سلم العمارة.. عندما بدأ الهدوء يسرى فى أوصالى كنت قد أدركت أن حقيبتى قد سرقت.. وبدأ الحارس يحكى لى أن تلك هى الليلة الثالثة التى يحدث فيها ذلك.. وهى محاولات مستميتة من الإخوان لتفريغ الميدان من النساء.. بترهيبهن والاعتداء عليهن والتحرش بهن.. وقال لى نصا وهو يشير إلى بضع جلابيب كان قد علقها على مسمار خارج غرفته: “إحمدى ربنا إنتى داخلة بهدومك.. أنا حاطط الجلاليب دى هنا.. عشان إحنا كل ليلة يجيلنا ستات ماعليهمش حاجة تسترهم”.. كان ذهولى يفوق كل تخيل.. وبينما يحكى لى الشاب الذى بالكاد أتم العشرين من عمره.. قدم من أسوان حاملا كل رجولة المصريين هناك.. إذا بالصراخ يعلو فى الخارج.. والطرقات تتوالى على الباب الحديدى للعمارة.. خرج مسرعا ملتقطا العصا والجلباب.. سمعت صوت الباب يفتح وصراخ مجموعة من النساء.. ثم غلق الباب وعاد يقول لى: “ماتخافيش دول تلات بنات طلعناهم فوق على السلم”.

أما كيف خرجت.. فقد هاتفت زوجى الذى كان فى منطقة باب اللوق.. إستطاع الشباب إخراجه بعد أن حاصره ما يقرب من مائتى شخص من الإخوان فى جراج بشارع جانبى.. ظللوا يسبونه ويرددون هتافات عدائية ضده لأنه يهاجم الإخوان.. أخرجه الشباب من فتحة فى جدار الجراج تطل على شارع باب اللوق.. ثم أوقفوا أول سيارة مرت بهم.. وأدخلوه بها وتلك الجماعات المسعورة تطاردهم.. تطرق بأيديها بشدة على جوانب السيارة فى محاولة لإرهاب قائدها.. هاتفت زوجى الذى أرسل لى أولئك الشباب لإخراجى من الممر الخلفى للعمارة.. وهى بالمناسبة لها مدخل يفضى إلى ميدان التحرير.. والآخر من الخلف يفضى إلى شارع جانبى يؤدى لشارع باب اللوق.. خرجت مستترة بكوفية فلسطينية منحنى إياها محمد الحارس للتخفى.. وأنا محاطة بعشرات من الشباب المبعثرين فى الطريق الجانبى الضيق.. عندما وصلت إلى حيث كان ينتظر زوجى.. كانت الساعة قد وصلت إلى الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل.. وفى  الواحدة تقريبا.. كنا فى قسم شرطة قصر النيل.. أدلى فى محضر رسمى بتفاصيل ما حدث معى.. وأتهم رسميا أفراد من جماعة الإخوان المسلمين بترويعى وحصارى داخل الميدان وفى مدخل تلك العمارة.

عندما هدأت.. كان من الصعب أن أغفل الربط بين وجود الطبيبين أسامة ياسين ومحمد البلتاجى فى الميدان فى نفس اليوم.. أحدهما لا أعرفه.. أما الآخر فأعرفه جيدا منذ 16 عاما.. فقد كان طبيب إبنتى فى طفولتها.. طبيب الأطفال أسامة ياسين.. الذى عرفته طبيبا ماهرا هادئا مبتسما طوال سنوات.. ثم فوجئت بشهادته عن الثورة فى قناة الجزيرة منذ عام تقريبا.. شهادته التى قالها بلسانه.. عن أنه مسئول عن مجموعات الشباب فى أماكن شتى.. هو قائدهم.. يتابعهم ويحركهم.. يعطى الأوامر.. ويتابع التنفيذ.. وهو أمر كان مذهلا بالنسبة لى.. ذكرنى بالقصة الشهيرة “دكتور جيكل ومستر هايد”.. ولأننى أحيانا أعتنق نظرية المؤامرة.. فأنا متأكدة من أن الكردونات التى حاصرتنى فى الميدان هى ميلشيات مصغرة.. مدربة مطلوب منها فقط الترويع لا الإيذاء.. تلك كانت الرسالة المطلوب إيصالها بوضوح.. الترويع فقط.. أما سرقة الحقيبة بما بها من أوراق رسمية أو أجهزة محمول.. فتلك قنبلة دخان صغيرة لتصوير الأمر كما لو كان حادث سرقة فى زحام الميدان.

قد تسألنى: لما لا يكون أولئك بلطجية؟!.. أقول لك: وجوههم وملابسهم هى وجوه شباب ريفى صغير.. لا وجوه بلطجية.. لكنتهم ريفية وإن كنت غير قادرة على تحديد إلى أى منطقة فى ريف مصر ينتمون.. تحركهم فى شكل دوائر تتلو إحداها الأخرى.. ليس منهج البلطجية.. الذين يعتمدون أسلوب الكر والفر كجماعات لا كميلشيات.. وإذا افترضت جدلا أن هناك بلطجية قد اندسوا بينهم.. فبلا أدنى شك يكون الإخوان بأنفسهم من أحضروا أولئك البلطجية.. وتلك لن تكون سابقة أولى!!

وأخيرا أقول.. إن ما جرى معى ليس لأنى أعتمد منهجا معاديا للإخوان.. ولا لأنى أختلف معهم فى الرأى.. فهم لا يعرفوننى.. ما حدث فقط لأنى زوجة رجل يقف على الجهة المقابلة لأفكارهم ومنهجهم.. يتم ترويعى فقط لأنى زوجة نصر القفاص!!.. لم يفعلها نظام مبارك.. لا معى ولا مع زوجة أى معارض سياسى.. فعلها الإخوان.. لأنه ببساطة هؤلاء هم الإخوان.

تلك شهادتى التى اختصرت كثير من تفاصيلها المروعة حتى لا أثقل على القارىء.. وقرارى كما هو لكن ببعض التصرف.. فلن أصوت لأى من المرشحين..  كنت سوف أبطل صوتى.. أما الآن.. ولأننى لا أملك بطاقة شخصية.. فسوف أقاطع الانتخابات.. مع كل تمنياتى بسقوط مروع لمرشح تلك الجماعة التى تعتمد منهج السرية!!

إيمان إمبابى