كارم يحيى : الدكتاتور القادم

على غرار إعلانات “العرض القادم” في دور السينما ، هيأت التطورات السياسية على مدى الأيام القليلة الماضية في مصر المسرح لدكتاتور قادم.

 فالرئيس الذي تنتخبه مصر من بين مرشحين إثنين ” محمد مرسي ” و ” أحمد شفيق ” سيأتي الى دولة بلا دستور وبلا برلمان . دولة محكومة بقرار يمنح الضبطية القضائية لرجال المخابرات و الشرطة العسكرية في مواجهة حريات المواطنين المدنيين . وفي كل ذلك عكس ما ثار عليه المصريون في مواجهة الحاكم الفرد مطلق السلطات ” مبارك “. و الرئيس الذي تنتخبه مصر اليوم يأتي وقد حصلت شرطة  ـ طالما عملت خارج القانون و تنتهك حقوق الإنسان  ـ على تصريح بالقتل بعدما توالت أحكام البراءة لقيادات الداخلية ولضباطها القتلة أثناء ثورة 25 يناير .

لم يكن من المنطق أو العدل بالنسبة لثورة بحجم ثورة 25 يناير أن توضع في صندوق إنتخابات يشرف عليها ويهندسها النظام الذي قامت الثورة للإطاحة به . فانتخابات الرئاسة الأولى بعد 25 يناير  تجرى والثورة والثوار لم يتمكنوا بعد من حكم البلاد ومن قيادة مؤسسات الدولة وتطهيرها . تجرى من دون دستور للثورة وقوانين لعهد الجديد ، وفي ظل جهاز الإدارة نفسه و الإعلام نفسه والقضاء نفسه .وفي ظل رئيس لجنة إنتخابات رئاسية عينه “مبارك” في منصبه رئيسا للمحكمة الدستورية . وباستثناء برلمان عاجز غير ممكن من صلاحيات التشريع و الرقابة وتشكيل الحكومة وإنفاذ القوانين التي يصدرها بما في ذلك العزل السياسي بالغ المحدودية والتواضع ، فإن كل شئ على حاله . وقد إنتهى الأمر  الآن بالبرلمان بعد أقل من خمسة أشهر من إنتخابه الى الحل بقرار من محكمة دستورية تحكم في غيبة دستور مابعد الثورة (!) .

 ولأن إنتخابات الرئاسة هذه المرة  ـ ولو من حيث الشكل والظاهر ـ أكثر تنافسيه فقد أرتضى فرقاء الثورة أن يدخلوها ويقبلوا بقواعد لعبة تجرى في ملعب النظام الذي لم يسقط. وكان من بين هذا القبول الإضطراري ـ لكنه المعيب قطعا ـ خوض الإنتخابات فيما داست اللجنة المشرفة على قانون العزل وعطلت تنفيذه لحساب المرشح شفيق مع أنه كان ساريا .كما جرى التغاضي عن المادة 28 الجهنمية التي تحصن لجنة “سلطان ” من أية رقابة قضائية و إمتناع هذه اللجنة عن إتاحة كشوف الناخبين للمرشحين في ظل دلائل قوية على الدفع بأكثر من مليون ناخب لا حق لهم في التصويت من الضباط والمجندين في الجيش والأمن المركزي ممن يخضعون لتعليمات قادتهم .. وهكذا.

 وعلاوة على ذلك دخل المنتسبون للثورة الى حلبة السباق الإنتخابي  متفرقين متنافسين ، وكل ذلك مهد الطريق لأن يزداد ضيق صندوق الإنتخابات على الثورة ، فنجد أنفسنا أمام الإختيار بين “أحمد شفيق” مرشح النظام بكل استبداده وفساده ومعه أجهزة الدولة العميقة بلا مواربة أو حياء وبين “محمد مرسي ” مرشح جماعة الإخوان المتهمة بالسعي للإستحواذ و إقصاء الآخرين و النكوص بالوعود و التنكر للثورة في منتصف الطريق وترك الثوار بمفردهم في الميادين في مواجهة آلة وحشية من  القمع دموي  والإعلام  الأسود.

 دفعت صدمة نتائج الجولة الأولى من  الإنتخابات الرئاسية والإستهانة بشواهد ” التزويرالناعم ” لها ثم صدمة الأحكام في قضية مبارك ونجليه ومعاونيه جماهير الثورة غاضبة الى الميادين لمدة أسبوع . لكن تخاذل وتفرق مواقف النخبة والعديد من مرشحي الرئاسة المحسوبين على الثورة بددت طاقة الغضب والسخط . ولم تمنح الناس بديلا قويا يقلب الطاولة على خنق الثورة بصندوق الإنتخاب وبعملية إقتراع مشوهة محكومة بقالب النظام المستبد الفاسد نفسه الذي ثار عليه المصريون . وهكذا وجدنا أنفسنا مرة أخرى وجها لوجه أمام الصندوق وبداخله خيارين لاثالث لهما : مرسي أم شفيق ؟ . علما بأن خيار المقاطعة أو إبطال الصوت في لجنة الإقتراع يظل محدود القيمة وعديم الأثر لما سيترتب على التصويت لأحد المرشحين من حقائق لا يمكن تجاهل تأثيرها على البلد ومسار الثورة .

 خيار التصويت لمرسي أو شفيق لا يمكن الفكاك منه . ولأنه بفرض أن مقاطعة المحسوبين على فصائل الثورة من غير الإخوان والإسلاميين ستكون واسعة فإن هذه المقاطعة ستصب لصالح مرشح النظام وأجهزة دولته العميقة ” شفيق “. وللأسف فإن ما سيمنح هذه المقاطعة لصالح ” شفيق ” ثقلا هو إستمرار غياب التوافق الوطني بين الإخوان وغيرهم من فصائل الثورة والإخفاق في التوصل الى نتائج واضحة وملموسة تضمن الشراكة في المرحلة الإنتقالية التي ستبدأ بعد إنتخاب الرئيس . وهو غياب  وإخفاق يتحمل مسئوليته الإخوان بالدرجة الأولى . ثم في الدرجة الثانية  غير الإخوان من رموز النخبة ، بما في ذلك تلك المحسوبة على الثورة .

لا شك أن المأزق الذي جاءت به صناديق الجولة الأولى من الإنتخابات لم يجد طريقه الى الحل . بل ربما إستفحل بحكم جراح الفشل في التوافق الوطني حول المرشح ” مرسي ” وحول برنامج جبهة وطنية و بفعل الإخفاق في إستثمار موجة العودة الى الميادين بعد الحكم في قضية مبارك . لكن هل بالإمكان أن نضع على قدم المساواة من كان عضوا في عصابة مبارك و يتحمل المسئولية عن سنوات من الفساد والنهب والدكتاتورية نهاية بمسئوليته السياسية عن قتل المتظاهرين السلميين في ميدان التحرير يوم موقعة الجمل بوصفه رئيس وزراء المخلوع مع من كان بين الثوار مدافعا عن الميدان ومن كان في معتقلات وسجون مبارك .

 بالنسبة للمرشح شفيق نحن أمام دكتاتور بمواصفات مبارك والسادات و إن كان الرجل أكثر خشونة وفجاجه وصفاقة . وبالنسبة لشفيق نحن أمام إستمرار نظام مبارك  المستبد الفاسد  دون مواربه .وقد جسد تاريخ الرجل البعيد والقريب كل ما في هذا النظام من دكتاتورية و عسكرة وفساد وتبعية وتطبيع ، نهاية بما يحمله على كاهله من إتهامات فساد وقتل . وقد عكس خطاب الرجل الإنتخابي كل مساوئ عهد ( السادات / مبارك ) من تخلف و إستبداد بحديثه عن مبارك ” كبير العائلة ” ومن تعال وجهالة في تناوله لشعبة وللثوار وميدان التحرير أيقونة الثورة  .

 أما بالنسبة للمرشح مرسي فنحن في أسوأ الأحوال أمام مشروع ديكتاتور محتمل ليس إلا . لأنه لن يكون بإمكان جماعة أو فصيل بمفرده التصدي لإسقاط النظام ومواجهة الدولة العميقة وأجهزتها . سنحتاج الى سنوات طوال للخلاص من هذا النظام . وهي مهمة لن تتحقق إلا ببناء كتلة تاريخية وجبهة وطنية تضم كل من شاركوا في ثورة 25 يناير .

 ولأن التناقض الرئيسي الآن ولسنوات مقبلة يظل بين الثورة ودولة الاستبداد والفساد  لا بين الدولة المدنية والدولة الدينية و لأن شفيق هو نفسه الدكتاتور “مبارك”  و لأنه من العار خيانة دماء شهداء الثورة سأعطي صوتي لمحمد مرسي .

 ولأنني مجبر على الخيار الى حينه بين الدكتاتور شفيق ودكتاتور محتمل في علم الغيب ، فإنني أختار ” مرسي “. أختاره مضطرا وكل جوراحي تجاه مرحلة جديدة من الصراع في المستقبل ضد أي دكتاتور قادم . أختاره مضطرا لأنني أعي أن أية خلافات  حول شكل دولة مابعد الثورة تظل مؤجلة الى حين الخلاص من دولة تحالف العسكر ورأسمالية المحاسيب . أختاره وأنا مخلص لخيار الدولة البرلمانية بعدما عانينا لستين عاما من دولة الدكتاتور الرئيس  تحت مسمى “النظام المختلط”.