د. يحيى مصطفى كامل: مثقفون للبيع.. الثورة والنخبة الرثة

في ظل ثنائية النظام و دولته العميقة من ناحية و تيارات الإسلام السياسي من ناحيةٍ أخرى (مع ما يجمع بينهما من تشابهٍ و تطابق في الانحيازات الاقتصادية-الاجتماعية)  و التي تجسد ما آلت إليه حال الثورة  من استعصاء، و لما شهدنا مرحلةً من ترهل هذه الثورة و تعثرها دون أن تحقق أهدافها الأساسية الأعمق…أمام مشروع ثورةٍ عظيمة كانت تؤذن بإعادة رسم الخريطة بتوازناتها السياسية الأقليمية و العالمية فإذا بها تتحلل إلى ’مكلمة ‘ أو ’مسطبة‘ من فوضى الفضائيات حيث يطوف بها حفنةٌ من الوجوه التي باتت محفوظة و ممجوجة يشبعون نهم الناس للمعرفة المشروعة و الفهم بأحاديث و قصص غثها أكثر من سمينها و يندرج أغلبها تحت طائلة النميمة …إزاء  بحث هذه الوجوه عن تأمين مساحةٍ شخصيةٍ على الساحة السياسية (أو زيادتها إن وُجدت)  مما تسبب في تشوش قطاعاتٍ واسعة من الجمهور و سأمها و انصرافها في أحيان كثيرة خاصةً في ضوء تراكم الكلام و الرؤى و التنظير دون أدنى تحسن ملموس على الارض في ظل الأزمات المتتالية من عينة أزمتي الكهرباء و الماء…أمام خطر ’أخونة الدول‘ المتزايد  و بعد القرارات المدهشة الأخيرة التي لم نفهم مغزاعا بعد….أمام هذه الثورة المسروقة لا يملك أحدنا سوى أن يتساءل عن السبب و يبحث عن المسؤول، و إني لأرى أن أي تحليلٍ جاد كفيلٌ بأن يقود في النهاية إلى فساد النخبة و حداثة عهد و تشرذم التيارات المدنية التي كان من المفترض أن تتقدم الصفوف  قتقوم بدور الطليعة لتغيير الثوري بكل ما تعنيه الكلمة من عملية طويلة تطال هيكل المجتمع بأسره و قد تستغرق سنين عدة.

و من لطائف الأمور أنه بينما كنت أجتر هذه المشاعر  من المرارة و الغضب على ما آلت إليه حال الثورة و تقصير  بعض النخبة تصادف أن شاهدت مقابلةً ليست بالحديثة مع د مصطفى الفقي، ( و هو ممن أعدعم شخصياً أحد عقول النظام على الرغم من محاولته التملص من ذلك) ، و الرجل على الرغم من كونه مثقفاً مرموقاً إلا أنه اختار أو آثر ألا يبتعد عن حضن النظام الدافئ، لذا فلا عجب في أن تجده  الآن يقضي جُل وقته في الفضائيات دافعاً عن نفسه تهمة التداخل مع النظام حد التنظير له و سارداً حكاياتٍ الله وحد أعلم بمدى صحتها  عن مدى معارضته الشريفة الشرسة لمبارك و نظامه من داخل النظام؛ المهم أنه حين سئل عن أحد الناشطين السياسيين الأكثر شهرةً ممن يدعون المعارضة و يسعون لزعامتها الآن(  و لنسمه ’س ‘  منعاً لذكر الإسم الأصلي) و عما إذا كان انضم في السابق فعلاً إلى لجنة السياسات سيئة السمعة فقد أكد هذه المعلومة، إلا أن الأطرف و الأدعى للاهتمام من ذلك أنه في معرض سرده لتفاصيل ذلك الانتساب المشين للحزب الوطني أكد أن أحد الأساتذة  و رؤساء الأقسام المشهورين في إحدى كليات الاقتصاد و العلوم السياسية ممن يزعمون الثورية الآن و ينظرون للثورة كان قد زكى ’س‘ هذا إلى المهمة وفقاً لاتفاق’جنتلمان‘ بين ذلك الأستاذ و الحزب الوطني يرشح بمقتضاه الكوادر اللامعة و الواعدة و الموهوبة للالتحاق بالحزب و الخدمة في صفوفه…و على الرغم من كون العارفين ببواطن الأمور في الوسط الثقافي و السياسي يرجحون أن يكون الفضل الأكبر في التحاق ’س‘ ذاك بلجنة السياسات كان أحد الوزراء، فإنه لجديرٌ بالذكر أن أياً من الاثنين، ’س‘ و أستاذه،  لم يكذبا أو ينفيا الواقعة…

استوقفتني هذه الحكاية طويلاً…فالأمر لا يتعلق بمصطفى الفقى و ما له من علاقةٍ لا تخفى مع النظام فحسب و إنما هناك أيضاً ذلك الأستاذ و رئيس القسم الذي يدعى الآن الثورية و الشرف يقوم بدور ’سمسار‘ أو ’كشاف ملاعب‘ ليقتنص  المتميزين من ذوي الكفاءة و الموهبة  ليطعم بهم و بقدراتهم الذهنية و العلمية و الثقافية آلة الفساد و جهاز الدولة الصدئ القمعي، و كأنه يساهم في ضخ دماءٍ شابة في جيفة نظامٍ عميلٍ و عفن فضلاً عن كونه متهالك؛ ليس ذلك فحسب و إنما هنالك ذلك ال’س‘ الذي شعر، وفقاً لرواية مصطفى الفقي، أنه لن يحظى بمثل ما حقق زميلٌ له في لجنة السياسات من نجاح و نفوذ فترك الحزب ، و الذي نفى  في لقاءٍ تلفزيوني احتمال وقوع انتفاضة أو ثورة في مصر قبل يوم الخامس و العشرين ببضعة أيام مبرراً ذلك بندرة الفساد في مصر مقارنةً بتونس(!!)  و ها  هو الآن من أشهر أعلام الثورة و أعلى منظريها و المتحدثين في شأنها صوتاً و رئيس أو صاحب حزب و كاتب في صحيفة و نجم الفضائيات ولا يفوت فرصةً ليصدع رؤوسنا حديثاً عن ليبرالية ’دعه يعمل دعه يمر‘ (التي بات جلياً الآن فشلها المطبق بعد تجربة الليبراليين الجدد في الغرب…) في بلدٍ يكاد السواد الأعظم من شعبه أن يموت جوعاً، و لا يفوتني أن أذكر أنه انتُخب عضواً في مجلس الشعب المحكوم بعدم شرعيته…أما أستاذه فلا يقل عنه ظهوراً في الفضائيات بالإضافة إلى مقال أو اثنين ينشرهما أسبوعياً في أحد أوسع  الصحف الخاصة انتشاراً و تأثيراً…

ثلاثة من حملة الدكتوراة؛ اثنان منهما فيما أعلم يقيناً حصلا عليها من الخارج…ثلاثة من صفوة عقول هذا الوطن و أرقاها تعليماً ممن درسوا السياسة بطريقة علمية بحيث لا يمكن أن نلتمس لهم عذراً من الجهل أو السذاجة و حسن النية  اختاروا طواعيةً أن يصطفوا في خدمة هذا النظام المتخلف القمعي عوضاً عن المناداة بالتغيير الجاد و إسقاط النظام فلما أدركوا أن مباركاً ساقطٌ لا محالة  أسرع اثنان منهما  ’يحجزان‘ لهما مكاناً متقدماً في الجموع المنتفضة…إن هذه التفاصيل و أمثلة عديدة غيرها لتؤكد إشكاليةً عميقة تتسلط على قطاعاتٍ عديدة ممن يصُطلح على وصفهم ’بالنخبة‘ تنبع من علاقتهم بالسلطة و النظام ، و إذ نتناول بالتحليل تكوينهم  النفسي و الذهني في ضوء مواقفهم نجد أنفسنا أمام ما أسميه ب’النخبة الرثة‘…

و النخبة الرثة هي تلك الفئة من المثقفين و المفكرين و الإعلاميين و الأكاديميين الذين يختارون دائماً و أبداً الاستجابة لإغراء النظام و الوقوف وراءه و الدفاع عنه لأنهم لا يطيقون بعداً عن دفئه ،أولئك الذين لا يؤمنون بشعوبهم و لا بقدراتها على الحركة و التغيير  حتى ليستمد بعضهم احترامه لنفسه من تعاليه على العامة و الالتذاذ من وصفهم بالغباء و الجهل،أولئك الذين يؤمنون فقط بذواتهم و مصالحم الشخصية و ما يسلط عليهم من اضواء، فهم لا يؤمنون حقاً بالثورة و لم يتحسبوها أو يسعوا للإعداد لها و لم يبشروا سوى ببرامج الإصلاح المتدرج في أحسن الأحوال… لقد اضطلع هؤلاء، و خاصةً بعض المنضويين منهم في أحزاب المعارضة المدجنة، طيلة ما يزيد عن الثلاثة عقود بإضفاء ( أو على الأقل محاولة ذلك) غطاء من الشرعية و غلالة من الحداثة و الديمقراطية الزائفة على نظامٍ  شديد الانحطاط، و ، و إذ طال عهد مبارك و فاضت أموال السعودية عمدوا إلى ترسيخ مفاهيم اللاجدوى و عبثية معارضة النظام و حتمية بقائه و انتصاره في أي صدام، و ليت شرهم توقف عند هذا الحد إذ عمدوا بعد اندلاع الثورة إلى تزييف الحقائق و خلط  المفاهيم المتعلقة بمعنى الثورة  و أهدافها و طبيعتها بما تعبر عنه من صراع ، وفي حين لم يستطع البعض منهم تصور الحياة دون النظام الذي وقفوا أنفسهم على خدمته فأخذوا يتخبطون و يمالئون المجلس العسكري   أسرع الآخرون الأوفر ذكاءً و مرونة يحاولون اقتناص ما يستطيعون من فرصٍ للظهور في الفضائيات و السطو على مجهود الشباب و الشعب و تباروا في إنشاء أحزاب أجمعت على الاختلاف و التشرذم رغم تطابق الاتجاهات في أحيانٍ كثيرة و ما ذلك إلا استجابة لرغبات الزعامة لدى العديد من وجوه تلك النخبة الرثة و عدم قبولها أو استعدادها للعمل الجماعي…لم ينجحوا في توفير قيادةً طليعية على الرغم من تحصيلهم الثقافي نظراً لعدم استعدادهم للثورة و لتحللٍ أصيل لديهم من الانتماء للطبقات الشعبية صاحبة المصلحة الحقيقية فيها بما يعنيه ذلك من التزام و أيضاً نتيجةً لذوبانهم التام في النظام لعقودٍ طويلة، و لعل ذلك يفسر تمكن الإخوان المسلمين الذين حرصوا و راهنوا على استقلال تنظيمهم المحكم من تقدم الصفوف و فرض نفسهم رغم تشابههم حد التتطابق مع النظام في أغلب المناحي، مع الأخذ بعين الاعتبار احتياج النظام لهم و علاقته الطويلة المعقدة معهم.

و لعلي لا ابالغ  إذ أؤكد ان هذه النخبة الرثة في مصر لها مثيلاتها في كل البلدان العربية’ الشقيقة‘ و تقوم بدورٍ مشابه مع اختلافات بسيطة.

ختاماً، أود أن أؤكد أنني لا أعني مطلقاً أن كل المثقفين يندرجون في هذه الفئة، فهناك قطعاً رموزٌ شريفة تحملت الاضطهاد و الاعتقال و التهميش ، و لكنني أخص تلك الفئة التي تمثل امتداداً لفقهاء السلطان ممن روجوا لمفاهيم رثة و بالية رسخت وجود أنظمة القمع و أعلن تحفظي على وصفهم ب’النخبة‘، تلك الكلمة التي تُعد مجاملةً لا يستحقونها و إنما جرى العرف بها.

إذا كان لنا أن نتقدم فعلينا أن نحارب و نتخلص من الثقافة المنحطة  التي وُلدت و توورثت عبر عصور الطغيان…علينا أن نفضح هذه النخبة الرثة و نواجه زيفها في نفس الوقت الذي نسعى فيه لإعادة هيكلة المجتمع مؤمنين أن الثورة الحقيقية لا بد و أن تنعكس في المنظومة الفكرية للشعوب.