حاتم حافظ : حزب الدستور.. و”انتصار الشباب”

قبل أيام من عيد الفطر اعتزم عدد كبير من شباب حزب الدستور (في أمانة الجيزة) زيارة مستشفى السرطان. اقترح أحدهم أن تكون الزيارة بتي شيرت الحزب، وبادر بالدفاع قائلا إن ذلك ليس بغرض الدعاية للحزب وإنما بغرض تعريف الناس أنهم يقومون بهذه الزيارة بصفتهم الحزبية. البعض أبدى اعتراضه على الفكرة. البعض اقترح زيارة مستشفى آخر مما لا يزورها أحد كمستشفى أحمد ماهر مثلا، أو معهد الأورام. البعض شدد على أنه ليس من اللائق أبدا أن يصاحب الزيارة التقاط الصور مع المرضى. آخر أبدى اعتراضه على الفكرة نفسها وانفعل وقال إن هذا خلط بين العمل الحزبي والعمل الخيري.

أبدى احدهم اندهاشه من الفكرة فهو يعلم أن أصحاب الدعوة لم يفكروا أبدا بهذه الطريقة فهم زاروا المستشفى من قبل، وسوف يزوروها في المستقبل سواء كانوا أعضاء في حزب الدستور أو في أي حزب آخر أو لم يكن لأي منهم انتماء حزبي لأنهم في الأصل يفعلون ذلك من باب العمل المجتمعي. البعض اقترح أن تكون الزيارة في موعدها دون ارتداء تي شيرت الحزب. لاقت الفكرة الأخيرة ارتياحا من البعض، ولكن آخرين اعترضوا فقد رأوا أن زيارة المستشفى بالصفة الحزبية مهمة للإعلان عن تأسيس الحزب الذي قدمت أوراقه مؤخرا. أحد الأعضاء قال لو فعلنا هذا فلا نلومن الإخوان بعد ذلك على خلطهم العمل الخيري والسياسي، وقال إن مثل هذا الخلط قد ينتهي بنا في الحزب لتوزيع شنط الزيت والسكر قبل موعد الانتخابات، فصرخ آخر مدافعا عن الحزب وعن الدستوريين الشبان إن ذلك لن يحدث، واتهم هذا الشخص بأنه “يكبّر” الموضوع، وقال إن المسألة أبسط من ذلك بكثير. اقترح آخر الاتصال بأحد وكلاء المؤسسين لمشاورته في الأمر حتى يكون العمل مؤسسيا، وأن يتم إلغاء الزيارة ووقف النشاط لحين تشكيل هيئات الحزب. المتحمسون قالوا إن الحزب لم يولد بشكل رسمي بعد ومن الأفضل أن يتم التعريف به حتى يولد قويا. البعض أبدى تخوفه من أن يجد الخصوم السياسيون حجة للهجوم على نشاط الحزب بسبب هذه الزيارة.

بعد أن طالت المناقشات لأكثر من أربع ساعات تقريبا بادرت إحدى الزميلات باقتراح عمل استفتاء على الفكرة والاحتكام للتصويت. في البداية كان على الأعضاء الاختيار بين خيارين: زيارة المستشفى بتي شيرت الحزب أو عدم زيارة المستشفى من الأساس، ثم اقترح أحدهم إضافة اختيار ثالث: زيارة المستشفى دون تي شيرت الحزب. جرى الاستفتاء حتى موعد الزيارة التي كان مقرر موعدها ولم يخل الأمر من مناقشات كثيرة كثيرة، فكل من دخل الصفحة للتصويت فضّل تبرير اختياره، حتى أن المناقشات نفسها تكررت مرة أخرى كاشفة عن حماس الأعضاء أولا وإيمانهم بالحزب ورغبتهم في المشاركة في التعريف به والدعاية له والأهم أنها كانت كاشفة على حيوية شديدة في تبادل الأفكار وفي مشاركتها الآخرين وفي مناقشتها بشكل جاد، والأهم الأهم أنها كانت كاشفة على تشبع هؤلاء بفكرة الديمقراطية، فالتصويت على الموضوع كان حلا سحريا لإرضاء الجميع، هؤلاء الذين كانوا مع الفكرة وهؤلاء الذين لم يكونوا مع الفكرة. أنا شخصيا ـ وكنت من المعارضين ـ بعد ساعات من المناقشة قلت إنني أجد نفسي الآن وسطا بين الترحيب بالفكرة وبين معارضتها، وقلت إن لكل فكرة وجاهتها. في النهاية استجاب الجميع لرغبة الأغلبية وناموا ليلتهم راضين.

هذه الحيوية والمرونة والإيمان بالديمقراطية والجدية والقدرة على الاختلاف والتنوع والحرية ـ في رأيي ـ هي أسباب جذب حزب الدستور لهؤلاء الشباب وسوف تكون أسباب اشتراك عدد أكبر من الشباب في عضوية الحزب في المستقبل. وهم ـ هؤلاء الشباب ـ في ظني أنهم سوف يكونوا خميرة العمل السياسي في الحزب وكوادر المستقبل السياسي للحزب أيضا. وفي ظني أن ما فعلوه هؤلاء الشباب في يوم العيد تطوعا في كافة محافظات مصر للتعريف بالحزب والإعلان عنه كان مبهرا جدا، وكان لافتا لدرجة انشغال كتائب الكترونية شرسة برصده ومهاجمته، وهو انشغال أعتقد أنه سوف يكون أكبر في الفترة المقبلة بعد استشعار تلك الكتائب لخطورة الحزب وخطورة شبابه خصوصا وأن انتخابات المحليات والبرلمان سوف تكون قريبة.

الملفت هو تورط قيادي إخواني في التعليق على نشاط هؤلاء الشباب، فما قاله تدليسا في تدليس. القيادي الإخواني اتهم هؤلاء بأنهم يخلطون الدين بالسياسة مثلهم مثل جماعته، رغم أنه وجماعته يعرفون جيدا أن خلط الدين بالسياسة الذي نئن منه طوال الوقت والذي نرفضه ويرفضه هؤلاء الشباب هو إصباغ العمل السياسي بالدين، هو القول إن الانضمام للحزب “جهاد” وتبني موقف الحزب “طريق إلى الجنة” والفوز في الانتخابات “تمكين من الله للذين صبروا” ومعارضة المعارضين “كراهية لشرع الله” والتظاهر ضد الرئيس “كفر” يستأهل “القتل”!

الحقيقة أني كنت من المختلفين مع فكرة الدعاية للحزب في ساحات الصلاة، ولكن لأسباب ليس من بينها إن هذا الفعل يخلط الديني بالسياسي (ففي النهاية لم يعتل أي من هؤلاء الشباب المنابر للدعاية للحزب ولم يدع أي منهم لمليونية ختم القرآن ومساندة الرئيس!) ولكن كان اختلافي مع الفكرة رغبة مني في ابتكار أشكال جديدة للدعاية، أشكال غير تلك التي تنظمها الأحزاب الجديدة والقديمة في مصر وكلها أحزاب تقليدية، تنتمي للزمن القديم أكثر مما تنتمي للمستقبل، لأن ظني أن حزب الدستور هو حزب للمستقبل أو هكذا يجب أن يكون، خصوصا وأن ملهم فكرته الدكتور البرادعي لم يعد أيقونة فحسب على التفكير الحديث بل إنه صار يذكّرنا مع كل “تويتة” بفيلم قنديل أم هاشم، وفي رواية أخرى بفيلم قنديل أم أيمن!