باسل رمسيس يكتب : أنا والريس في برلين.. موتوا بغيظكم

رأيت فيما يري المتهلوس” أنني والرئيس نسير سويا في شوارع برليننعم الرئيس نفسه – خليفة الشاطر – وليس أحدا غيرهألححت عليه أن أصطحبه إلي المتحف اليهوديكنت قد زرته قبل سنوات وأراه جديرا بالزيارةاستجاب إلي الرئيس، لكنه غير رأيه عند بوابة المتحف.. فبدأ في الصراخ، وضرب الأرض بقدميه، مصرا علي عدم الدخول، ومقاوما محاولاتي لدفعه باتجاه البوابةسأخبركم فيما بعد سبب هذا التغير.

سؤالهل قمت بإهانة الرئيس خلال هذه السطور؟

بناءا علي شيوخ السلف الصالح، الذين عملوا سابقا لصالح أمن الدولة، وأصدروا دائما الفتاوي علي مقاس السلطة، حتي وإن كانت مضحكة، فإن الرئيس هو أمير المؤمنين، وأي انتقاد له، أو عدم طاعته، أو الخروج عليه، فهو كفر.. بالتالي فإن الثعبان الأقرع سوف ينهشني في القبرعموما مش فارقة، أنا في البطاقة مسيحي، وفي الحياة بتاع سينما ويساري، يعني كافر كافر، وهاتنهش هاتنهش.

لن أضيع وقت القارئ في مناقشة هذا النوع من أحاديث وفتاوي الشيوخ، لأنه لا يصلح أصلا للمناقشةيصلح كسبب لمحاكمتهم وفقط، كي يلقي في القمامة فيما بعدلكن.. ألم يسمع الرئيس وطبالينه عن البرامج التلفزيونية، المنتشرة في أي بلد يحترم مواطنيه، وتخصص للسخرية من السياسيين جميعا، بما فيهم الرئيس؟ هل يظنون أن المصريين، بحسهم الساخر، سيقال لهم (لا تسخروا)، فيتوقفون عن السخرية؟ ألم يتعظوا من مصير مبارك، الذي بكل جبروته، وجبروت أجهزته لم يُخِف البعض، ولم يستطع منع أحد من سبه وانتقاده؟.

لنترك الشيوخ.. ماذا عن كبير الشلة، السيد المرشد؟ يقول المرشد أن محصول القمح قد زاد ستة أضعاف هذا العام لأن الشعب أخلص نيته لله!! ألم يقرأ المرشد كتابا واحدا في حياته؟ هل كان محصول القمح سيتضاعف إن فاز شفيق في الانتخابات؟

الشعب صاحب النية المخلصة لله اختار الرئيس المؤمن، وهو بيده المباركة قام بمضاعفة محصول القمح.. أنجز ما لا ينجزه آحد.. ركب الحصان وداس.. ألقي عشرات الخطب وشارك في التراويح.. هل يستطيع أحدكم أن يقول لي شيئا واحدا فعله هذا الرئيس لصالح هذا البلد – لصالح البلد وليس لصالح جماعته وسيطرتها علي الحكم – كي أحترمه؟

الاحترام محكوم بالأفعالومعذرة.. لكنني شخصيا لا أري أنه قد فعل ما يجعلني أحترمه أكثر من أي مواطن آخر يسير في الشارع.

يخلط المطبلاتية بين الاحترام، والخنوع، والمطاطية، والخرسمثلما يخلطون بين كرامة الدولة، وكرامة الوطن، وكرامة الرئيسيفتتحون فاشيتهم الدينية بفرض التقديس علي ما هو ليس بمقدسلأن السرقة والنهب والقهر سيكونون أسهل بإرادة هذا المقدس.. إرادة المبعوث الإلهيأما أنت فعليك أن تخاف وتصمت علي كل الكوارث التي بدأت بشائرها في الظهور.

عودة للمتحف اليهودي في برلين.. رفض الرئيس زيارة المتحف بصحبتي لأنه خائفلم يخف من أن يقتله اليهود بداخله، فهم يرحبون بالزوار.. (ده غير أن ريسنا شجاع وبيفتح الجاكتة في الميدان.. وصور القناصة فوق الجامع دي فوتو شوب). لكنه خاف من أن يري نفسه وجماعته في المرآةأن يكتشف أن المتحف من الممكن أن يكون متحف إخوانه.

فحين يكون مشروعك هو نهب مجتمع كامل لصالح قلة من النخب، ورجال السياسة، ورجال الأعمال.. وتقرر أن تستخدم الدين في إضفاء الشرعية علي هذا المشروع، فعليك بممارسة الكذب، أن تشوه التاريخ، أن تحقر من أديان الآخرين ومعتقداتهم.. والأهم أن تتحدث عن معاناتك التاريخية وتضخمهاهذا هو دور المتحف اليهودي في برلين.

تنتج الدعاوي العنصرية حول تفوق دين معين دعاوي عنصرية من الجانب الآخر.. لتفوق الدين الآخرأي أن المشهد الديني المظلم يخلق نقيضه الديني..الشبيه به في الجوهر والمنطقوفي هذه اللعبة يتساوي الكثيرون.. يتساوي أصحاب الدولة الإسرائيلية العنصرية.. مع شيوخ السلف الصالح والدولة الإسلامية.. ومع حسن البنا ومشروعهيتساوي أصحاب خطاب التكفير والكره..مع هذا السياسي الذي تجاهل تهجير المسيحيين من دهشور.. مع هذا الشاعر المسيحي الذي أسس في السبعينات جماعة باسم حراس الآرز” في لبنان، داعيا كل لبناني مسيحي لقتل فلسطيني واحد علي الأقل.. فلسطيني مسلم بالطبع.

فيكون من الطبيعي في حالتنا هذه أن نسمع عن هذه الكوارث الصغيرة من نوعية تأسيس المجلس الإستشاري القبطي” كي يكون لشباب الأقباط موقف سياسي موحد!! وفي هذا المشهد المتعصب دينيا، الذي يرسمه الجهلة، لن تري ملامح الآخرين.. لن تري ملامح شخص كيوسف درويش الذي قضي عمره كله، ما يقارب القرن، في خدمة عمال وفقراء هذا البلدتقابل يوسف درويش بالصدفة في أحد القطارات مع حسن البناتحدثا سويا، ولم يقل لحسن البنا أنه يهودي.فهذه لم تكن هويته“.. كانت هويته هي قناعاته السياسية والنضالية.

بعد الثورة بأسابيع، نصحتني صديقة صحفية بألا أنتقد كثيرا الإخوان المسلمون.كون هويتي ستخلق نوعا من الحساسية، والرفض لما أكتبهلا يا عزيزتي.. أنا مواطن.. وسأعادي، ولن أحترم، من ينهبنا أو يقمعنا أو يخدعنا بكلام ينتمي للعصور الوسطي.

عزيزي القارئ الشاب، الذي يتملكه الغضب أحيانا، فلا يجد طريقة للتعبير عن رأيه ورفضه لحكامه، سوي الشتيمة والسبأنت الخط الأحمر الوحيد.. من لا يحترمونك ويحترمون حقوقك ليسوا جديرين باحترامك لهمقم بسبهم إن لم تجد الكلمات المؤدبة أو المناسبة.. لكن.. لا تتراجع أمام ماكينة خلق الفراعين الجدد..الفراعين بدقن.

باسل رمسيس

basel@dayraarts.com