هاني عياد: عظمة نبيل الهلالي .. وتضليل عصام العريان

يبدو أن موسم النشاط الفكري للدكتور عصام العريان قد بدأ.

قبل ساعات قليلة انتهى الرجل من إطلاق ما كنا نعتقد أنه أخر إبداعاته وابتكاراته عن الذين يريدون إلغاء الدين من حياة المصريين، وعن ديمقراطية السمع والطاعة التى يريد أن يفرضها على المجتمع، لكن الرجل فاجأنا بما لديه من جديد، مؤكدا صحة المثل القائل «ياما فى الجراب يا حاوى»، وربما الأصح الآن أن نقول ياما فى الجراب يا عصام.

جديد الدكتور عصام العريان الإخوانى حتى النخاع يتعلق هذه المرة باليسار المصرى.

يقول المناضل الإخوانى العتيق «النفوذ اﻷجنبي والتمويل الخارجي والهاجس اﻷمنى والتشرذم والتفتت وإهمال دور الدين بل احتقاره والنخبوية والتعالي على الشعب أبرز أسباب فشل اليسار»، والواقع أنه كان من الممكن أن نأخذ الكلام عن التشرذم والتفتت على محمل الجد، وهى أسباب حقيقية بالفعل، لكن العريان لا يدع لأحد فرصة للتعامل مع كلامه بجدية، حيث يرفق التشرذم والتفتت مع «النفوذ الأجنبي واحتقار الدين..الخ»، لنجد أنفسنا بصدد اتهامات أمنية وليس محاولة جادة ومسئولة لدراسة أسباب ضعف اليسار (وهى محاولة يبدو أنها أكبر من قدرات الدكتور العريان).

هكذا –إذن- يتحفنا التلميذ النجيب لـ حسن البنا بإعادة إنتاج خطاب أمن الدولة فى «نقد؟» اليسار، وهو شيء طبيعى جدا، على الأقل بحكم العدوى، لمن اعتادوا عقد «الصفقات» مع أقذر وأحط الأجهزة الأمنية فى زمن مبارك (وقد أسماها عصام العريان نفسه «تفاهمات»)، أما غير الطبيعى فهو –أولا- أن يبدو مفكرنا العبقرى عاجزا عن تطوير «خطاب المخبرين» فيردده كما هو، رغم أن تهمتى «النفوذ الأجنبى» و«التمويل الخارجى» أصبحتا تثيران السخرية منذ سقوط الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، أى قبل أكثر من عشرين سنة (إلا إذا كان العريان يقصد أن طوال العمر فى الخليج يمولون الشيوعيين والناصريين!!). كان الاتهام الجاهز دائما لأي يساري أنه يتقاضى أموالا من موسكو، دون أية أدلة أو مستندات، وبقى ذات الاتهام حتى بعدما انتهى «زمن موسكو»، وهو شيء مفهوم وطبيعي بالنسبة لمخبر لا تتجاوز قدراته حدود إعادة تكرار اتهامات مكتوبة وجاهزة من سنين، أما أن يكشف لنا الدكتور عصام العريان أنه عاجز عن التجديد، وأن قدراته الذهنية لا تتجاوز قدرات مخبر فهذا هو غير الطبيعي.

ويا دكتور عصام، عندما رحل القديس أحمد نبيل الهلالى عن عالمنا، عام 2006، هتف مشيعوه فى قلب ميدان التحرير، أثناء خروج النعش من مسجد عمر مكرم، «الهلالي ده يبقى مين.. يبقى زعيم الشيوعيين»، وكان مرشدكم السابق مهدى عاكف الذى شارك فى التشييع شاهدا، وزعيم الشيوعيين هذا هو المحامى الذى كان حاضرا فى جميع قضايا الإخوان المسلمين، وهو من حمل لواء الدفاع عن حقكم فى تنظيم شرعى (بدلا من الصفقة مع عمر سليمان أيام الثورة)، وهو من رفع صوته عاليا ضد المحاكمات العسكرية لأعضاء جماعتكم، فهل تلقى «زعيم الشيوعيين» تمويلا أجنبيا للدفاع عنكم؟.

ثم أن ما ذهب إليه الدكتور الإخوانى عصام العريان، يبدو غريبا –ثانيا- لأنه نسى، أو بالأحرى تناسى بعض أهم أسباب ضعف اليسار، ومنها أنه هو شخصيا، عندما كان طالبا فى كلية الطب، كان مسئولا عن المجموعة الإخوانية المكلفة بمواجهة الطلاب اليساريين، بمختلف فصائلهم، وكانت المواجهة تتمثل فى تمزيق وإزالة كل شعاراتهم ومجلات الحائط التى تخصهم، ثم افتعال المشاجرات معهم، وكان الطالب عصام العريان يفعل ذلك بيديه.

كانت المواجهة الفكرية، ومقارعة الحجة بالحجة والرأي بالرأي، عملية صعبة وخارج القدرات الذهنية والفكرية لطلبة الإخوان، وبينهم الطالب عصام العريان، فلم يكن أمامهم سوى منطق القوة وأسلوب العنف وطريق الإرهاب. والحق يقال فقد أدى الطلبة الإخوان، أينما وجدوا فى كل جامعات مصر، وليس فقط فى كلية الطب القصر العيني، عملهم على أكمل وجه بإشراف ورعاية وحماية أجهزة أمن الرئيس المؤمن أنور السادات.

ومن بين أسباب ضعف اليسار التي تناساها المناضل الاخوانى، أن الرئيس المؤمن، عندما أطلق سراح الإخوان من السجون وأعاد الهاربين منهم من منفاهم في شبه الجزيرة العربية العربية، أشرف بنفسه على توزيع السنج والمطاوى على الإخوان، ليتولوا التعامل مع الناصريين والشيوعيين، ويريحوه من صداع مزمن اسمه الناصرية والشيوعية.

كان الرئيس المؤمن يعرف الإمكانيات الفكرية للإخوان، كما كان يعرف أيضا قدراتهم الدموية، وهو شاهد عيان على تاريخهم، وقد أجاد استخدامهم، وأجادوا هم أداء الدور، بشهادة وقائع ما جرى فى أسيوط فى مطلع سبعينيات القرن الماضي، تحت إشراف محافظها آنئذ محمد عثمان.

الحرب التي خاضاها الإخوان، يا أيها المناضل الاخوانى، ضد اليسار، فى سبعينيات القرن الماضي، بإشراف رئيس الدولة وحماية أجهزة أمنه، كانت واحدة من أهم أسباب ضعف اليسار، فهل نسيت؟ التاريخ لا ينسى، والذين كانوا معك فى الجامعة مازال الكثير منهم على قيد الحياة ومازالوا شهودا. ولا يصح لمن ساهم فى هذا الدور القذر أن يعطى أحدا دروسا، كما لا يليق بمن هو قائم بأعمال رئيس حزب (حتى ولو كان حزب الحرية والعدالة) أن يهبط إلى مستوى مخبر متخلف فى ترديد الاتهامات.

ويضيف عصام العريان في موسم نشاطه الفكري «إن القيم الإنسانية كالحرية والعدل والمساواة والكرامة الإنسانية جاءت بها الشرائع السماوية، وأن المذاهب الوضعية تجارب بشرية وتطور تاريخى للشعوب ﻻيمكن نقلها» ليكشف لنا فى جملة قصيرة عن مستويين متداخلين من قدراته الفكرية والذهنية، المستوى الأول هو تردى معلوماته إلى الحضيض وما هو أقل، فالبشرية عرفت القيم الإنسانية، من عدل وحرية ومساواة وغيرهم، قبل أن تظهر الأديان السماوية بمئات السنين، ومن سوء الطالع أن عصام العريان صاحب الخبرات العميقة فى تمزيق مجلات الحائط الخاصة باليساريين، لم يسمع من قبل عن أرسطو وسقراط، وعندما جاءت الأديان السماوية لتؤكد على هذه القيم فإنها أضفت عليها درجة من القدسية. أما المستوى الثاني في قدرات صديقنا المناضل الإخوانى العتيد فهو قدراته اللا محدودة فى ممارسة التضليل والخداع، حيث يقول «… وأن المذاهب الوضعية تجارب بشرية وتطور تاريخى للشعوب ﻻيمكن نقلها»، والمؤكد عندى أن الدكتور العريان يعرف تماما أن الرأسمالية والديمقراطية والليبرالية والنظام البرلماني والنظام الرئاسى…الخ.. هى من «المذاهب الوضعية» التى هى «تجارب بشرية وتطور تاريخى للشعوب» وكان من الممكن دائما نقلها حتى عمت أرجاء العالم، بينما الدكتور الاخوانى يدعى تضليلا أنه لا يمكن نقلها.

يوجه الطبيب الإخوانى سهامه الخائبة إلى الاشتراكية تحديدا بين كل المذاهب الوضعية، لكنه لا يستطيع أن يقول لنا لماذا كان ممكنا نقل الرأسمالية التى تقوم على استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، ولا يمكن نقل الاشتراكية التى تقوم على المساواة والكفاية والعدل؟ ولأنه حاول الهروب من هذا المأزق، فكان أن سقط فى مستنقع الكذب والتضليل (بحكم العادة) مدعيا «أن المذاهب الوضعية تجارب بشرية وتطور تاريخي للشعوب ﻻيمكن نقلها».

ويا أيها الطبيب الاخوانى المناضل، حاول أن تهدأ قليلا، فلقد أصبت حزبك وجماعتك بالخجل فاعتبروا أن كلامك يعبر عنك وحدك.

ويا أيها الجماعة الخارجة على القانون وذراعها السياسى أضبطوا أنفسكم قليلا، فقد كان صبحى صالح صاحب نوادر فلوطية مثيرة للسخرية، بينما عصام العريان يثير الشفقة، عليكم أولا ثم عليه.

 

hani.ayad@yahoo.com