وليد عثمان : رؤساء تحرير عابرون

لا أتذكر أن واحدا من دفعة رؤساء تحرير لجنة سياسات جمال مبارك صرح مرة أو لمح بأنه كان أفضل زملائه في الصحيفة أو المجلة التي تولاها ولذلك اختير لقيادتها. 
المتفق عليه أن اختيار هؤلاء كان قفزا مقصودا بقامات قصيرة، ويمكن أن أستثني حمدي رزق على مسؤوليتي مع الإشارة إلى أني لا أعرفه ولم أعمل معه، فوق الكراسي التي لم تحلم بها يوما حتى يسهل ترويضها وتطويعها لما يراد تمريره.
والحقيقة أن غالبيتهم العظمي لم تكن تحتاج إلى جهد الترويض، فما حصلوا عليه من مناصب ومغانم بغير فضيلة فيهم حَير أصحاب الحيل.
وكل صباح ومساء، كان هؤلاء يسبحون بحمد أولياء نعمتهم ويشحذون ألسنتهم في النيل من الخصوم إلى حد الخوض في الأعراض.
كان من العادي في زمن هؤلاء أن يصبح التلاعب بحقائق الأشياء صحافة تعبيرية تخول لأحدهم أن يبدل أوضاع زعماء في صورة لينقل المخلوع من أحد جوانبها إلى مقدمتها، وكأن مصر تقزمت في وعيه ووعي من صنعوه إلى درجة أن تقاس أهميتها بموضع رئيسها في الصور الفوتوغرافية.
ولم يكن غريبا أن يجاهر أحدهم بأنه لم يصدق حين وجد نفسه على طائرة المخلوع الذي أشفق عليه بعدها من حرمانه من “طشة” الملوخية. 
وكان عاديا أن يعود ثان من رحلة إلى دولة عربية ليكتب عن لعابه الذي سال عن لحم مخصوص وضع لهم على مائدة زعيم هذه الدولة. وبلغت السفالة، أو القوادة، حد الحديث عن زوجة سياسي كان مسجونا وقتها بما ينال من عرضها.
إلى أين انتهى هؤلاء والذي فعلوه؟ هل بوسع أحدهم أن يلحق مجددا بركب الصحافة وهو لا يملك من أدواتها شيئا؟.
أحد هؤلاء الذين خلعوا كل ما يستر قبل ذلك، حاول العودة على جثة الثورة ملتحقا في الخفاء بحملة مرشح من العصر البائد. والثاني عاد إلى مؤسسته عبر عمود في أحد إصداراتها ، وبدلا من أن يستثمر تبحره في علوم الملوخية وطشتها، فإنه بدَل سادته وألقى بأسماء مبارك الأب والابن وسرور من “أجندته” ليسبح بحمد مرسي الرئيس الملهم والكتاتني البرلماني الذي انتظرته مصر طويلا.
الغريب أننا كنا في زمن رؤساء تحرير لجنة السياسات نترحم على عصر سابقيهم الذين كانوا معظم الوقت، رغم سوءاتهم، يحتفظون بحمرة الخجل في العلن وفيهم مهنيون يعرفون أن للصحافة حدودا لا تتجاوز.
الأغرب أن نعود بعد ثورة أطاحت بما ومن أطاحت إلى الترحم على من سبقوا ويصبح رؤساء تحرير لجنة السياسات أرحم من القيادات المصنوعة في مكتب الإرشاد، فقبل 25 يناير كان ممكنا أن تجد في صحف حكومية ما تنفس به عن غضبك مما يحدث في مصر، لكن هذه القيادات الآن تعيدنا إلى عقود مضت كان فيها المنع سيد الموقف.
والمفجع أن يكون المنع لمصلحة تيار سياسي واحد وكأن المهمة الوحيدة للمختارين لقيادة الصحف القومية هي قطع الطريق على كل منتقد للإخوان، وهو ما قصدته الجماعة من لعبة الترشح لمناصب رؤساء التحرير والمعايير المزعومة. 
الجماعة كانت تبذل جهدا كبيرا في الشوارع والجوامع كان يترجم قبل ذلك إلى أصوات في انتخاب البرلمان ثم إلى النقلة الكبرى بالفوز برئاسة الجمهورية في ظروف يعلم الجميع معظمها. هذا الجهد كانت الجماعة تشعر بضياعه لأن نوافذ الإطلالة على الناس كانت موصدة أمامها، فغالبية الإعلام ليست ملك يمينها، وحين جربت أن تصنع إعلامها المطبوع والمرئي لم تكن النتائج كما تشتهي.
ومن هنا بدأت حرب الهيمنة على الإعلام، ففي ماسبيرو الآن وزير إخواني ليس في المعلوم من سيرته ما يشي بأنه الأقدر على تطوير الإعلام المصري، لكنه قد يكون الأنسب لمهمة إغلاق التليفزيون الرسمي أمام الأصوات المناكفة كما كان يجري قبل ذلك تماما.
وفي الصحافة المطبوعة الخاضعة قانونا لمجلس الشورى، ورئيسه وأغلبيته من الإخوان، لعبت الجماعة، مرة أخرى كما كان يحدث، على من لم يحلموا بمجرد دخول مكتب رئيس التحرير، ومنهم الموثقة معاداته للثورة، وابتدعت مقاييس غير معمول بها في أية صحافة لاختيار من يقصف أقلام منتقديها ابتداء ثم يحشد التأييد لها، وطبعا للرئيس.
كل هذه الهجمة على الإعلام، والكل يعرفه أهميته في حسم المعارك، جرت تحت ستار التصدي المعنوي كل رأي مخالف للجماعة في الصحف القومية ومطاردة صاحبه بأنه جزء من إعلام الفلول وادعاء الخوف من استمرار خسائرها التي يتحملها الشعب.
وتلاقى ذلك كله مع حلم البعض بأن يصبح رئيس تحرير في فرصة قد لا تتكرر بقية حياته، وبخلاف الحلم، ربما كان لدى أحدهم رغبة في الانتقام من رئيس تحريره الأسبق بعدما كان بينهما من معارك وصلت إلى أقسام الشرطة. وهل هناك انتقام أقسى من يجلس فوق كرسيه وفي مكتبه الذي كان ممنوعا من دخوله؟.
وهان على البعض نفسه وحمل مسوغات تعيينه إلى لجنة يرأسها مهندس تختار رؤساء تحرير الصحف القومية، فالمزايا تستدعي، والعطايا تستحق.
إذا قبلنا مبدأ اللجنة من الأساس، كيف لها أن تنصب قيادات للصحافة في غيبة أهلها وشيوخها، أيا كان موقفك السياسي من بعضهم؟. بأي معيار مهني يمكن أن يخرج ياسر رزق، وهو أيضا لا أعرفه ولم أعمل معه، من رئاسة تحرير”لأخبار” والأرقم المتداولة تؤكد نجاحه؟.
هو الغرض الذي يحكم كل الملفات الآن وسيتحول إلى مرض تتمدد تبعاته في أوصال مصر فتتجه إلى مزيد من التعثر. وربما يجيء يوم نتحسر فيه على رؤساء تحرير لجنة السياسات، كما تحسرنا على الذين من قبلهم، حين نرى عجبا من الذين لحقوا بهم أوله منع المقالات بعد ثورة أسقطت أكبر رأس في النظام الحاكم.
وأيا كان الأمر، سيذهب السابقون واللاحقون إلى حيث يستحقون وسيمر التاريخ على أسمائهم سريعا وتبقى المهنة.