أحمد عبد الحميد حسين : الطريق الأمريكي للقرصنة على دول الجنوب

في معركة مصر نحو استقلالها السياسي والاقتصادي، وحضور صندوق النقد الدولي.. أحد أهم أدوات سيطرة الهيمنة  في المعادلة الحالية .. كان لابد من معرفة هذه القصة :

كان من المستغرب أن يظل  “جون بيركينز”  عشرين عاماً كاملة  يحاول الشروع في تأليف كتاب يحكي تفاصيل حياته ومهنته، وفي كل مرّة كان يصرفه عن إتمامه الخوف. ليس الخوف من ماضيه وحجم المآسي التي تسبب فيها هو ما كان يزعجه حقيقة؛ بقدر ما كان يزعجه عمليات الترغيب والترهيب التي مارستها ضده هذه الشبكة الأخطبوطية المكونة من أجهزة ومؤسسات كل واحدة فيهم ينتفض المرء في حال معرفته بكونه صار خصماً لواحدة فيها فكيف لو كان خصماً لها مجتمعة.!

كانت الشبكة مكونة من جهاز المخابرات الأمريكي، والبنتاجون، وصندوق النقد الدولي، وامبراطوريات الصناعة والتجارة الأمريكية، تردد الرجل الذي كان يعمل “قرصاناً اقتصادياً ” لنفس لإحدى الشركات التي كانت تتبع هذه المنظومة كل هذه المدة، وأخيراً وجد دعماً معنوياً من ابنته الوحيدة التي شجعته لإتمام رسالته التي رأي أهمية القيام بها لإن إيمانه بالبلد الذي نشأ فيه جعله يصمم على ألا يقف مكتوفي اليدين :” بينما هؤلاء القراصنة يحولون الجمهورية الأمريكية إلى امبراطورية تحكم الكرة الأرضية” كما يقول.

جون بيركنز خبير اقتصادي، استخدم في كتابه مصطلحاً أدق وهو قرصان اقتصاد، وهو التوصيف نفسه الذي عنون به كتابه (اعترافات قرصان اقتصادي)  كان يعمل في شركة ” ماين” الأمريكية ، وهي إحدى الشركات الاستشارية التي تمثل وسيطا بين رؤساء وحكومات دول العالم الثالث من ناحية، وبين مديري شركات اقتصادية أمريكية عملاقة، وسياسيين، وصُنَّاع قرار، يسعون لبناء إمبراطورية أمريكية عالمية أطلق هو عليهم مصطلح “الكربوقراطية”.

كانت مهمة جون بيركنز ومجموعته هي عقد شراكات مع زعماء وحكومات ومسئولي دول من العالم الثالث لديها إمكانيات وموارد استراتيجية، وإغراءها بالحصول على إقراضات ضخمة تصل إلى مئات المليارات من الدولارات من البنوك الدولية كصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وهيئة المعونة الأمريكية لمساعدة هذه الحكومات في إنشاء مشاريع بنى تحتية، أو الاستثمار في مشاريع ضخمة تحدد حسب قدرات وموارد كل دولة، كمشروعات استخراج البترول، وتصدير المحاصيل الزراعية، وإنشاء شبكات كهربائية وغيرها.

وتتباين وسائل هؤلاء الرجال لإقناع رؤساء الدول ورجال الحكومات أو أصحاب النفوذ داخل الدولة بعمليات الإقراض ما بين خلق نخبة سياسية واقتصادية تتوافق مصالحها مع مصالح تمرير هذه القروض فضلاً عن دعمهم سياسيا واقتصاديا، ويصل الأمر إلى المساعدة في تزوير انتخابات، ورشوة وابتزاز وجنس وقتل، ومن ثم تحويل هذه القروض قبل أن تصل حتى للبلد المقترضة إلى مجموعة المصانع والشركات الأمريكية العملاقة التي تستفيد في النهاية من تلك الأموال كمحصلة مشاريع تنفذها، أو تسيطر بها اقتصاديا على موارد الدول كمرحلة أولى.

وبهذه الطريقة لا تغادر الأموال مقار الهيئات الدولية المانحة والقابع أكثرها في الولايات المتحدة حيث تتحول ببساطة من حسابات بنوك واشنطن إلى حسابات شركات في نيويورك أو هيوستن أو سان فرانسيسكو، وبينما تعود هذه الأموال بشكل فوري إلى العائلات الاقتصادية العملاقة وأعضاء الكوربورقراطية فيما يبقى على الدولة المتلقية سداد أصل القرض والفوائد.

وأبرز تلك العائلات -كما يقول بيركنز- عائلة الرئيس بوش الأب التي تمتلك أسهما ضخمة في شركات عالمية كشركة “يونايتد فروت” أو شركات بترول كشركة “هاركن” للبترول، والشركتان كان لهما دور بارز في تدمير بلاد مثل تشيلي وبنما ونيكارجوا وكولومبيا وجواتيمالا عن طريق الانقلابات التي قامت بها “السي آي إيه”  لوضع حكومات تحافظ على مصالح تلك الشركات.

في القصة الشهيرة لشكسبير (تاجر البندقية) حينما يعجز أنطونيو –بطل القصة– عن الوفاء بالدين الذي أخذه من شيلوك التاجر اليهودي المرابي، يُطالب عندها شيلوك بأخذ رطل لحم كامل من جسد أنطونيو لعجزه عن السداد، وكان هذا الاتفاق بناء على العقد الذي وقع بينهما

تأتي المرحلة الثانية من عملية السيطرة على الدولة من خلال اقتراض أكبر مبالغ ممكنة، وكلما كان العميل المقترض أقل قدرة على الوفاء بالديون كان ذلك أكثر نفعا ليقع هؤلاء القيادات تحت السيطرة حينما لا تستطيع دولهم الوفاء بديون لا ترحم، ويتوالى تدفق أموال الإعانات والقروض –التي تتعاظم فوائدها- على رؤساء الحكومات ومديري السياسات المالية في هذه البلدان نظير انصياعهم لأوامر الدوائر السياسية الأمريكية، والشركات الكبرى التي يزداد تنفذها ووجودها داخل الدولة الفريسة.

ويرى زعماء الدول التي وقعت تحت ديون طائلة أنفسهم مطالبين بتقديم خدمات تتمثل في إقامة قواعد عسكرية في بلدانهم، أو غض الطرف عن غزو بلد مجاور، أو تقديم المساعدات اللوجيستية، أو السكوت عن نهب ثروات بلدانهم، أو الموافقة على تصويت ما في الأمم المتحدة. وهو ما يدلل عليه بأمثلة عدة في بلدان خاصة في منطقتي أمريكا اللاتينية ومنطقة الشرق الأوسط.

حيث يعترف “بيركنز” أنه وزملاءه نجحوا في دفع الإكوادور نحو الإفلاس، حيث ارتفع حد الفقر فيها من 50% إلى 70%، وازدادت نسبة البطالة إلى 70%، وارتفع معدل الدين العام من 240 مليون دولار إلى 16 مليار دولار، وتخصص الإكوادور حوالي 50% من ميزانيتها لتسديد الديون!.

واستغلت شركات البترول الأمريكية الوضع ليتم الضغط على الإكوادور لتبيع مخزون بترولها في غابات الأمازون والذي يحتوي على احتياطي بترول يُعتقد أنه يُعادل احتياطي الشرق الأوسط.

يقول بيركنز: “واليوم فإن لكل 100 دولار من خام النفط يُستخرج من غابات الإكوادور تحصل الشركات الأمريكية على 75 دولارا مقابل 25 دولارا للإكوادور تذهب 75% منها لسداد الديون الخارجية والمصروفات الحكومية والأمن والدفاع، ويتبقي 2.5 دولار فقط للصحة والتعليم”.

فيما يفرد بيركينز فصلين كاملين في كتابه يوضح فيهما أن الولايات المتحدة ضنت السباحة في بحر النفط السعودي، والاستيلاء على فوائض أموالها التريليونية في مقابل دعم النظام السعودي بلا حدود، ويمكن حينها تفسير صمت الولايات المتحدة بإداراتها المختلفة عن حالة التكلس السياسي أو الانسداد الحقوقي الذي تعيشه المملكة.

لكن القراصنة الأمريكان كانت تُغل أيديهم أحياناً كثيرة عن إخضاع بعض بلدان العالم الثالث لهذا السيناريو, ففي أمريكا اللاتينية على سبيل المثال حينما كانت تصعد حكومات ذات توجه اشتراكي، ترفض الخضوع أمام “الملياردير الأمريكي المسلح” وفي هذه الحالة يتم الاستعانة بمن يسميهم بيركينز: الثعالب؛ وهؤلاء هم ضباط جهاز المخابرات المركزية الأمريكية الذين يدبرون الاغتيالات، و يدعمون الانقلابات العسكرية للحفاظ على أفضل وضع لاستقرار الاستثمار الأمريكي.

ففي الخمسينات عندما قرر “أربنز” رئيس جواتيمالا المنتخب ديمقراطياً تطبيق برنامج إصلاح الزراعي يهدد مصالح شركة “يونايتد فروت” الأمريكية، وبرنامج آخر يفرض الضرائب على الاستثمار الأجنبي قامت السي.آي.ايه بتدبير انقلاب ضده، واستبداله بديكتاتور عسكري متطرف يدعى “كارلوس أرماس”.

وفي السبعينات كان الانقلاب على “سلفادور الليندي” المنتخب ديمقراطياً في شيلي واستبداله بالديكتاتور العسكري الجنرال “بيونيشيه”عام 1973. وفي يوليو 1981 تم اغتيال “عمر توريخوس”، رئيس بنما، في حادث طائرة مدبر، لأنه تجرأ على رفض الهيمنة الأمريكية، وأراد فرض سيطرة بلاده على ثرواتها الطبيعية.

 فيما كانت العراق وفنزويلا يمثلان مشهدين بارزين لسقوط القراصنة، فالعراق كان يمثل أهمية سياسية كبيرة للولايات المتحدة، فالعراق تمتلك أكبر احتياطي بترولي في العالم، بالإضافة لموارد المياه حيث الجزء الأكبر من نهري دجلة والفرات يمر في أرض العراق، وفضلا عن البترول والمياه يحتل العراق موقعا إستراتيجيا بالغ الأهمية بمتاخمته لإيران والكويت والمملكة السعودية والأردن وسوريا وتركيا والخليج، وقربه من إسرائيل وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، وبالتالي فإن من يسيطر اليوم على العراق يمتلك مفاتيح السيطرة على الشرق الأوسط.

يؤكد بيركنز على أن العراق كان مقدرا له أن يصبح النموذج “السعودي” الثاني إن استسلم صدام لشروط القراصنة، حينها كان بوسعه أن يوقع عقدا نهائيا لحكم بلاده بلا منازع، وتتغاضى واشنطن عن كونه حاكما طاغياً، أو أن يديه ملطخة بدماء القتل الجماعي، كل ذلك مقابل قبوله اتفاقات تؤمن استمرار إمداد العراق لأمريكا بالبترول، أو السماح للشركات الأمريكية بتحسين أنظمة البنية التحتية العراقية.

يقول بيركنز: “وقد بدا جليّا في أواخر ثمانينيات القرن العشرين أن صدام حسين لم يبتلع الطعم الذي وضعه قراصنة الاقتصاد، مما سبب لإدارة بوش الأب خيبة أمل كبرى، وبينما كان بوش يبحث عن مخرج من أزمته؛ قدًّم صدام حسين الحل على طبق من فضة بغزوه الكويت، وانتهز بوش الفرصة وأعلن الحرب على العراق، وكان النصر في العراق فرصة كبيرة لتحقيق أرباح خيالية”.

الطريف أن العراق نفسها التي ترضخ تحت الاحتلال الأمريكي الآن، هي التي قادت ضغطاً على الدول العربية بعد حرب أكتوبر مباشرة ( 16 أكتوبر 1973 ) لفرض حظر كامل لبيع البترول للولايات المتحدة الأمريكية وكل الدول لصديقة لإسرائيل، وسحب الأموال العربية من البنوك الأمريكية، وأدى ضغطها إلى فرض حظر جزئي تسبب في أزمة اقتصادية كبيرة في الولايات المتحدة وبعض بلدان أوروبا الغربية.

النموذج الثاني الذي فشل فيه “قراصنة الاقتصاد” هو “فنزويلا” التي لم يستطيعوا إقناع نخبتها السياسية بالقبول بالسياسة الاقتصادية الأمريكية، كما لم يتمكنوا من إقالة “شافيز” من السلطة عبر الانقلاب الذي دبرته ثعالب المخابرات المركزية، وتعدى الفشل للإدارة الأمريكية لتعثرها في المستنقع العراقي والأفغاني، ولم يُكسر “شافيز” الذي فرض قانونا جديدا للتنقيب عن البترول، وعارض بشدة السياسيات الأمريكية “الإمبريالية الفاضحة” وقدم نقدا لاذعاً للعولمة، وأخرج من حظيرة أمريكا ثالث دولة تعتمد عليها الولايات المتحدة في استيراد البترول.