الثورة والخروج على الحاكم عند أهل السنة والجماعة بين حكم الشرع والاستسلام للواقع السياسي

أدى الخلاف السياسي على طبيعة السلطة ووظائفها بعد موت الرسول إلى نشوء الفرق الإسلامية الأولى، كـ “الشيعة” و “الخوارج” و” المرجئة”، وسرعان ما تطور هذا الخلاف، فأصبح صراعًا عقائديًا. وما جعل تلك الخلافات السياسية بين المسلمين مرتبطة عندهم بالعقائد، أن كل فريق من الفرق المتنازعة كان يلجأ دائمًا إلى نصوص الدين ” قرآن وسنة ” ليؤيد موقفه، وهذا يدعوه إلى الاجتهاد في فهم النصوص أو تأويلها تأويلاً خاصًا يتناسب مع موقفه السياسي. عندئذ صار كل حزب سياسي فرقة دينية لها معتقداتها. ومنذ ذلك الوقت حدث الارتباط الكبير بين الدين والسياسة، وظل يزداد هذا الارتباط يومًا بعد يوم، حتى كان سببًا في كثير من صراعات وأحداث عصور إسلامية متلاحقة.

وقد تصاعدت في الآونة الأخيرة حدة التوتر في المنطقة العربية بين الشعوب وحكامها، ما أدى إلى اندلاع ثورات ” الربيع العربي “، فوصل إلى سدة الحكم في هذه البلاد أصحاب التيار الإسلامي من أهل السنة، وظهرت على الساحة الفكرية والسياسية مجموعة من التساؤلات التي تتعلق بمدى مشروعية الخروج على الحاكم عند أصحاب هذه التيارات، ومدى التزامهم بالنصوص الشرعية التي تُحَّرم – في أغلبها – هذا الخروج. من هذه التساؤلات: ما المفهوم اللغوي والاصطلاحي للثورة عند أهل السنة والجماعة ؟ ، وهل عرفوا خلال تاريخهم الثورة بالمعنى الذي نعرفه ونمارسه ويمارسوه هم الآن؟ ، ما المواقف الفكرية التي أعلنها أسلافهم من مفكري أهل السنة في الثورة والخروج على الحاكم ؟، وهل تطابقت هذه المواقف السابقة مع ما يمارسه الآن مفكريهم، أم أن المحدثين منهم آثروا الخروج على الحاكم استجابة لمقتضيات السياسة الحالية، ورغبة منهم في لعب دور سياسي يبدأ بالخروج على الحاكم، وينتهي بالوصول إلى سدة الحكم ؟ ، وما حدود التناقض بين نظرياتهم في تحريم الخروج على الحاكم ، وبين الواقع العملي الذي يقتضي من كل إنسان أن يقاوم طغيان الحاكم ؟ .

يمكن الإجابة عن هذه التساؤلات من خلال مجموعة من الحقائق التي توضح انقلاب أهل السنة على تراث شيوخهم ممن حرموا الخروج على الحاكم، وكيف استسلموا للواقع السياسي وبعدوا – مؤقتًا – عن تراث أسلافهم للوصول إلى السلطة ثم العودة لمواقفهم القديمة التي تحرم الخروج . من هذه النقاط :

1 – أن مصطلح الثورة لم يُستخدم في القرون الأولى للإسلام إلا بالمعنى اللغوي البحت، وقد وردت الإشارة إلى مصطلح الثورة بمعناه اللغوي ، أي القلب في القرآن الكريم كما في قوله تعالى }لا ذَلُولٌ تُثير الأرض {( البقرة : 71 )، أي لا تقلبها بالحرث القلب الذي يغيرها فيجعل عاليها سافلها. وكما في قوله تعالى }كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها {( الروم : 9 ) ، أي قلبوها وبلغوا عمقها. ورغم استخدام بعض المتقدمين لمصطلح الثورة في التاريخ الإسلامي كالحديث عن ” ثورة عبد الله بن الزبير بمكة لنصرتها والدفاع عن بيت الله الحرام ” ، إلا أنه قد عبر عن الثورة بمصطلحات أخرى كخلع السلطان الجائر.

وإذا كان مفهوم الثورة في اللغات الأوروبية مستعارًا من دورة الكواكب حول نفسها بما فيها كوكبنا الذي ينجز ثورة كل 24 ساعة ، فإنه في اللغة العربية مستعار من ظواهر الطبيعة والسلوك الانفعالي اليومي للإنسان نفسه، يقول ابن منظور في ” لسان العرب “ في مادة ” ثار “ : ثار الشيء هاج، ثورة الغضب حدته، والثائر الغضبان. ويقال للغضبان أهيج ما يكون: وقد ثار ثائره وفار فائره إذا غضب وهاج غضبه . وثار إليه وثب. الثورة هي الهَيج. ثار الغبار وثارت نفسه، إذا فارت واهتاجت . يتضح من هذا التعريف أن مفهوم الثورة في اللغة العربية هو وصف للتمرد الفردي أو الجمعي الانفعالي اليائس ، غير الحامل لأي مشروع مجتمعي ، ولا لأي أمل في مستقبل أفضل .

2 – جل النصوص الدينية تدعو للصبر على الحاكم وعدم الخروج عليه، وهذه النصوص ما استند إليها مفكري أهل السنة والجماعة خلال تاريخهم في تحريم الخروج على الحاكم، من هذه النصوص : قوله تعالى }يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ( النساء : 59 )، ومنها قول الرسول إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون ، فمن كره فقد برئ ، ومن أنكر فقد سلم ، ولكن من رضى وتابع ، قالوا يارسول الله ألا نقاتلهم قال: ” لا ما صلوا “، وفي بعضها إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان “، قول الرسول: ” وجوب الصبر وإن ضرب ظهر أحدنا وأخذ ماله ” . قول الرسول: ” كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل ” ، قول الرسول : ” إذا رأيتم من أحد ولاتكم شيئًا تكرهونه ، فاكرهوا عمله ، ولا تنزعوا يدًا من طاعته ” ، قول الرسول: ” من رأى من أميره شيئًا يكرهه، فليصبر عليه”.

3 – جل مفكري أهل السنة يحرمون الخروج على الحاكم خشية حدوث الفوضى المتوقعة من الخروج عليه، باستثناء قلة، منهم: الإيجي وشارحه الجرجاني، والبغدادي، والجويني، وابن حزم، والشافعي. أما المُحرمين للخروج فمنهم ” ابن تيمية “ الذي يعد مرجعية فكرية لأهل السنة في مسائل السياسة والحكم، والذي يعتبر أن ” الصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة والجماعة “. وهذا المذهب عندهم مبني على سد الذرائع، أي المنع ترجيحًا لتجنب المفسدة المترتبة على خلع الحاكم الظالم، والمتمثلة في الفتنة والفوضى التي قد تلزم من خلعه، على المصلحة المتحققة من خلعه . يقول البزدوي: ” إذا فسق الإمام يجب الدعاء له بالتوبة، ولا يجوز الخروج عليه، لأن في الخروج إثارة الفتن والفساد في العالم ” . وينقل ” النووي “: آراء العلماء بتحريم الخروج علي الحاكم لما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في  بقائه، لأن ” في القيام إباحة الحريم وسفك الدماء وأخذ الأموال وهتك الأستار وانتشار الأمر ” ، ويقول أبو حامد الغزالي:  ” إن السلطان الظالم الجاهل متى ساعدته الشوكة، وعسر خلعه، وكان في الاستبدال به فتنة ثائرة لا تطاق، وجب تركه، ووجبت الطاعة له “. وينسب ” أبو الحسن الأشعري “ إلى أصحاب الحديث قولهم : السيف باطل ولو قتلت الرجال وسبيت الذرية ، وأن الإمام قد يكون عادلاً وقد يكون غير عادل ، وليس لنا إزالته وإن كان فاسقًا ، وأنكروا الخروج على الحاكم ولم يروه . فهم يرون إذن وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالاستنكار القلبي أو باللسان ، إن قدر على ذلك ، دون سل السيف والقتال ، ويطالبون الرعية بالطاعة والإبقاء على الحاكم رغم انتهاكه للمحرمات ، مخافة العواقب التي قد تنشأ عند اللجوء إلى العنف في عزل الحاكم الجائر .

ويشير ” الباقلاني “ إلى مذهب أهل السنة بقوله : ” وقال الجمهور من أهل الإثبات    ” الصفاتية والمشبهة ” وأصحاب الحديث : لا ينخلع بهذه الأمور ” الفسق والظلم وتعطيل الحدود ” ، ولا يجب الخروج عليه ، بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء مما يدعو إليه من معاصي الله ” . كما يقول : ” وعند أصحابنا أن حدوث الفسق في الإمام ، بعد العقد له ، لا يوجب خلعه .

        فالفسق الظاهر ، والظلم ، وغصب الأموال ، وتناول الناس بالضرب والأذى ، وتناول النفوس المحرمة ، وتضييع الحقوق ، وتعطيل الحدود ، لا يوجب خلع هذا الإمام الذي يأتي كل ذلك عند هؤلاء ، بل يقولون بوعظه وبترك طاعته في شيء مما يدعو إليه من معاصي الله ، أي أنهم يبيحون طاعته في شيء من المعاصي ، وترك طاعته في شيء منها .

ويذهب ” النسفي “ من الماتردية هذا المذهب، ومعه ” التفتازاني “ شارح عقائده ، معللين رأيهما بشيوع الجور والفسق في البلاد بعد الخلفاء الراشدين ، فيقولان : ” ولا ينعزل الإمام بالفسق والجور ، لأنه قد ظهر الفسق وانتشر الجور من الأئمة والأمراء بعد الخلفاء الراشدين ، والسلف كانوا ينقادون لهم ، ويقيمون الجمع والأعياد بإذنهم ، ولا يرون الخروج عليهم ” .

        وقد اقتدى أهل السنة في رأيهم هذا بعثمان بن عفان، وجماعة من جلة صحابة رسول الله، ممن رأوا القعود وامتنعوا عن القتال في عهد الفتنة بين علي بن أبي طالب ومعاوية، ولم ينضموا إلى أحدهما، كسعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد ، وعبد الله بن عمر ، ومحمد بن مسلمة ، وغيرهم . فقد كان الامتناع عن سل السيف هو الرأي الذي اختاره عثمان وثبت عليه، بل نهى غيره عن أن يبدأ بقتال يؤدي إلى سفك دم مسلم من أجل الدفاع عنه .

4 – أغلب أهل السنة، سواء أكانوا من أصحاب الحديث أو الأشعرية أو الماتردية، أباحوا إمارة المتغلب، أي ” المنقلب على السلطة السياسية القائمة “، وأجازوا تصرفاته، خوفًا من حدوث الفوضى، فهم وإن استنكروا الاستبداد والتغلب من حيث المبدأ ، إلا أنهم رجحوا كفة الاعتبارات العملية الداعية إلى إمضاء الأحكام وإقامة الحدود ، وتصريف الشؤون حتى تستمر حياة الناس وتستقيم ، رجحوا كفة هذه الاعتبارات العملية وطوعهم الواقع الذي سادت فيه ظاهرة التغلب ، فأقروا المستبدين على السلطة ، وقالوا بشرعية تصرفاتهم ، واستنكروا الخروج عليهم بالثورة والسيف والقتال . من هؤلاء المفكرين : أبو يعلي الفراء ، أبو الحسن الماوردي ، ابن حنبل ، التفتازاني ، أبو الحسن الأشعري ، ولعل أبرز من يمثل هذا الاتجاه هو ” بدر الدين بن جماعة “ 639 – 773 هـ ، عندما يصور الأمر كما لو كان غابة تجب الطاعة فيها للأقوى من المستبدين ، حتى لو كان جاهلاً فاسقًا ، فإذا أطاح به جاهل فاسق آخر كان هو الإمام المطاع ، يقول : ” إن خلا الوقت عن إمام فتصدى لها من هو ليس من أهلها ، وقهر الناس بشوكته وجنوده بغير بيعة أو استخلاف، انعقدت بيعته ولزمت طاعته، لينتظم شمل المسلمين وتجتمع كلمتهم، ولا يقدح في ذلك كونه جاهلاً أو فاسقًا، في الأصح، وإذا انعقدت الإمامة بالشوكة والغلبة لواحد، ثم قام آخر فقهر الأول بشوكته وجنوده ، انعزل الأول وصار الثاني إمامًا ” . وهو بذلك يطوع الفكر للأوضاع التي سادت في عصر المماليك الذي عاش فيه، وهذا الفكر هو الذي جعل بعض الفقهاء يقولون : ” من يحكم يُطع ” .

وقد تكون لهذه المبررات العملية التي ساقها أهل السنة حظوظ من الوجاهة في بعض المواقف والملابسات، ولكن الأمر السلبي الذي أدى إليه هذا الموقف هو أنه أعطى الشرعية لنظام الاستبداد بالسلطة ولحكم المستبدين، حتى صار هو القاعدة، وصار الخضوع له والطاعة لأهله هو الشريعة والقانون ، وأصبح الحديث عن الإمامة بشروطها وصفات القائم بها لا يتجاوز نطاق المباحث الكلامية والفقهية ، كما أصبحت الثورة والخروج على أئمة الجور والاستبداد منكرًا يوصف أصحابه بالخروج والمروق ، أي أن هذا الفكر المبرر لسلطة الاستبداد واستبداد المتسلطين ، قد جعل حكم الطغاة هو القاعدة ، ونظام الخلافة الإسلامية الشورية هو الشذوذ والاستثناء .

ولعل هذا يرجع إلى أن تولي أهل السنة والجماعة في معظم عهود التاريخ الإسلامي للخلافة ، كان سببًا هامًا في ميل الفكر السني إلى المحافظة والتسليم بالأمر الواقع ، حيث يكتفي بالقلب واللسان دون استخدام اليد بشأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . لذلك فقد اتخذت كتاباتهم في السياسة صورة النصائح التي تقدم للملوك والسلاطين ، فيما يجب اتباعه مع الرعية ومع حاشيتهم وبلاطهم ، وما يجب أن يراعى من آداب في التحدث والتعامل مع الملوك ، وما يجب على الرعية من الطاعة للحكام .

        هذا قليل من كثير سطَّره أهل السنة والجماعة في كتبهم ، وترجموه إلى أفعال اتجهت – في مجملها – إلى تحريم الخروج على الحاكم طيلة عهود كثيرة في التاريخ ، فماذا حدث وتسبب في تغيير وجهتهم من تحريم الخروج إلى الدعوة إلى الثورة ، حتى حققوا بعض ما أرادوا من التمكين ، ثم انقلبوا مرة أخرى وعادوا إلى تحريم الثورة والخروج ، لأن الخروج هذه المرة سيكون عليهم هم ، وهذه هي السياسة المتغيرة والمتقلبة حسب المصالح والأهواء ، أما الدين فيجب أن ننأى به عن طمع الطامعين في السلطة ، والمستعدين من أجل الوصول إليها ، إلى التضحية بكل قيمة عليا ، وتفسير الدين وفقًا لمصالحهم وأهوائهم، تاركين سماحة الدين ورحابته ورسالته العالمية التي تسمو على كل سياسة دنيوية متغيرة تسعى فقط لتحقيق مصالح معتنقيها.  

ولهذا كله فلابد من فتح الباب للنقاش حول السلطة السياسية وحدود صلاحيات الحاكم وكيفية تقويمه وإصلاحه عند مفكري السياسة المسلمين، فقد أرسو فكرهم السياسي في جزء ليس بالقليل على أسس دينية، وفي هذه الحالة، فإن الحاكم يستمد سلطته من الشرع ، وبالتالي ، فإذا خرج عن مهام وظيفته، فلا حساب عليه إلا من ضميره، لأن الرؤية الإسلامية التقليدية للتعامل مع الحاكم إذا لم يقم بواجباته على الوجه الأكمل، الصبر عليه خشية وقوع فتنة أشد ضررًا مما يسببه إهماله وعدم قيامه بواجباته.

على عكس طبيعة السياسة التي هي بشرية الطابع، تعتمد على التجربة، التي قد تصيب فيؤخذ بها إلى أن تنضب ولا تستطيع مواجهة العصر، أو تخطئ فيتم تغييرها، بدون أن يجد فيها المفكر السياسي أي غضاضة في تغييرها، وهذه هي طبيعة السياسة التي تعتمد على التجربة والخطأ، فهل نريد أن نعرض ديننا الحنيف إلى مثل هذه التقلبات التي تظهر أسوأ ما في الإنسان من أخلاق أنانية ونفعية وتبديل للمواقف حسب المصلحة ، أم يظل يؤدي مهمته الأخلاقية التي جاء رسولنا الكريم من أجلها عندما قال: جئت لأتمم مكارم الأخلاق ؟.