بناء الحدود الشرقية وأمن مصر القومي (1- 6)

نشر المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية دراسة عن تاريخ الحدود الشرقية لمصر وتداعياتها السياسية تحت عنوان “بناء الحدود الشرقية وأمن مصر القومة”. أعدتها د. ألفت أحمد الخشاب، باحثة في الدراسات السياسية والتاريخية، والعلاقات العربية – العربية.

وقالت: إن مصر باستمرار قطب، قوة، وقلب وقاطرة مهما كانت أوضاعها الداخلية. فلم تكن مصر يومًا على هامش المحيط الإقليمي؛ بفضل الجذور الجغرافية الأصيلة الكامنة في كيان مصر. فلا شك أن موقع مصر الجغرافي في وضع مثالي مع إتاحة للإمكانيات الطبيعية المثالية في توازن وتناسب، إذ إنه يجعلها تتوسط العالم ويمكن أن نطلق عليها عاصمة العالم الاستراتيجية، حيث إن حدودها الشمالية ممتدة على البحر المتوسط، وحدودها الشرقية على البحر الأحمر وخليج العقبة، ويتوسطها نهر النيل. بالإضافة إلى الثراء المتنوع القائم على الإمكانيات الطبيعية الممنوحة،

، فإن مصر من أجل ذلك تعيش دائمًا في خطر، ويكاد الخطر الخارجي يتناسب طرديًّا مع خطورة الموقع وأهميته وثرائه وتنوعه، هذا الخطر ليس شرًّا مطلقًا، بل هو أحد وأهم الآليات – ويمكن اعتباره ظاهرة صحية وضرورية- التي شحذت الوعي القومي واليقظة الوطنية، وهي التي استبعدت احتمالات الانعزال والانغلاق على الذات بعيدًا عن العالم. هذا الخطر الدائم رغم فداحة تكلفة مواجهته والتصدي له، ورغم عظم التضحيات والثمن الذي يدفع، والذي أحيانًا ينتقص من حريتها أو استقرارها أو أمنها، إلا أنه أنضج الشخصية المصرية وأضاف لها مميزات وصفات وحيثيات تتمايز كثيرًا عن المحيط البشري. إن لدى مصر دائمًا عدوًّا متربصًا، ولا شك أن مصدر وموطن الخطر والمواجهة هو ذاته مكمن القوة المصرية، فمصر دائمًا مركز قوة وانطلاق ومصدر إشعاع وتأثير وجذب.

جغرافيًّا وتاريخيًّا واستراتيجيًّا فإن الشام الطريق الحتمي إلى مصر، وتمثل مركز الضغوط الموجهة إلى مصر، وبذلك يتحدد مصدر الخطر الأكبر على مصر من ناحية الشمال الشرقي عامة، ومن الشام (بالمفهوم الجغرافي- التاريخي الشامل) حيث إنها ممر للخطر، إن الشام استراتيجيًّا جسر موصل لمصر، لذلك فإن كل خطر يهدد الشام وفلسطين، فإنه تلقائيًّا يهدد مصر، لذا فإن مصير مصر مرتبط عضويًّا وتاريخيًّا وجغرافيًّا بمصير الشام وبالأخص فلسطين، ففلسطين هي بوابة الحدود المصرية الشرقية والتاريخ عامر بالدلائل. والعكس بالعكس صحيح، فإن قوة ومناعة مصر هي صمام الأمان ومركز أمن واستقرار الشام.

إن ما يربط مصر بالشام جغرافيًّا وتاريخيًّا شبه جزيرة سيناء ذلك الركن الشمالي الشرقي لمصر، وهي معبر حركة التاريخ. وذلك المدخل الشرقي التاريخي الذي وفدت منه المؤثرات والموجات البشرية كافة التي أثرت في مسار التاريخ المصري من قديمه وحتى معاصره. إن شبه جزيرة سيناء بوابة مصر الشرقية لعبت دورًا حيويًّا في تشكيل تاريخ مصر، أي أنها لعبت دورًا عضويًّا وحركيًّا طوال تاريخ مصر الغائر في الأعماق. لا تكاد توجد في العالم على مر التاريخ منطقة لها أبلغ التأثير في تاريخ وطن مثلما كان لشبه جزيرة سيناء.

فمنها عبرت الجيوش الغازية للوادي والدلتا، ومنها أيضًا طردت تلك الجيوش المحتلة، ومنها عبرت الديانة المسيحية ومذهبها العتيد الأرثوذوكسي، واستقر في مصر مركزًا دينيًّا، ومنها عبر الإسلام واستقر وتعربت مصر وحملت لواء العروبة وأصبحت مركزًا للثقافة العربية. وللإشعاع الحضاري والفكري، ومركزًا دينيًّا وسطيًّا يستمد العالم الإسلامي منه الفقه الديني الإسلامي المستنير. ويبدو جليًّا من ذلك أن أهمية شبه جزيرة سيناء بالنسبة لمصر لا تقتصر على أهمية موقعها باعتبارها مدخل مصر الشرقي إلا بقدر الدور الحاكم الذي تلعبه في مسار تاريخ مصر وبالتبعية تاريخ المنطقة العربية. وسوف تتناول الدراسة عدة نقاط: النقطة الأولى سيناء والأمن القومي المصري، والنقطة الثانية تركز على تأصيل تاريخ صناعة الحدود الشرقية المصرية والأسباب الحقيقية لها، والثالثة تتناول عملية صناعة الحدود الشرقية لمصر، والجوانب الأمنية المرتبطة بها، وذلك كالتالي:

أولاً: سيناء والأمن القومي المصري:

إن الحديث عن شبه جزيرة سيناء يدفعنا تلقائيًّا وأساسًا إلى الاهتمام ودراسة أمن مصر سواء في حالة الحرب أو في حالة السلم، وكلتا الحالتين لهما تأثير مباشر على منظومة الأمن القومي المصري، والعربي سلبًا وإيجابًا. ذلك ما يستوجب طرح مفهوم الأمن القومي واستعراض بعض مظاهر التهديدات الخطيرة التي تمس أمن مباشرة سواء من إسرائيل أو من الشعب الفلسطيني.

لكن قبل التعرض لمفهوم الأمن القومي، لابد من التأكيد على أن الأمن له محددات نابعة من الجغرافيا، وهي من الثوابت التي لا يمكن تجاهلها أو التخلي عنها، وهي التي تفرض موقفًا معينًا من مفهوم الأمن القومي، سواء على مستوى الفرد أو الدولة أو المجتمع الدولي، أي أن جغرافيا الوطن محددة لملابسات ناشئة على علاقات دول الجوار الجغرافي، ومن ثم تشكل سياسة الدولة الخارجية والداخلية على حد سواء. وسبق التعرض لها ولكن فقط للحوصلة فموقع مصر الجغرافي المتميز المطل على البحر الأبيض المتوسط شمالاً، والبحر الأحمر شرقاً، ويشق مصر في المنتصف تقريباً نهر النيل وهو مصدر الحياة لمصر، ومياهه تنبع من خارج أراضيه وخارج سلطة الدولة. ذلك الموقع كمحاور أساسية في منظومة الأمن القومي المصري يستلزم اهتمامًا بالغًا ورؤية مستقبلية، ودبلوماسية نشطة كفئًا على جميع المحاور وبالخصوص المحور الشرقي الذي هو مصدر التهديد الرئيس، وبخاصة – كما ذكرنا – في ضوء مستجدات مفتعلة مثل قيام إسرائيل، وتأزيم القضية الفلسطينية ومحاولات إما تصفية قضية الشعب الفلسطيني أو تصديرها وترحيلها برمتها إلى مصر.

ويقصد بمفهوم الأمن القومي تلك المجموعة من القواعد الإجرائية التي يجب على الدولة أن تحافظ على احترامها، وأن تفرض على الدول المتعاملة معها مراعاتها لتستطيع أن تضمن لنفسها نوعاً من الحماية الذاتية الوقائية الإقليمية.

عند التعرض لتعريف مفهوم الأمن القومي ندفع بمجموعة من الملاحظات المهمة منها: الفكرة الأساسية التي يدور حولها المفهوم أنه أحد التزامات الدولة، الحماية العضوية والمادية لكل مواطن ينتمي للإقليم، أي لا يتعرض الإقليم لأية مخاطر من جميع الأشكال والتهديدات، وأن مبدأ حماية الأمن القومي (السيادة) يفوق أي وظيفة أخرى للدولة ويصل إلى حد البديهية، ومفهوم الأمن القومي مفهوم يسع داخله اعتبارات متنوعة ومتعددة، ولا يمكن أن يختزل ويتقلص في حماية الحدود ضد أطماع الدول المجاورة، وهناك علاقة متداخلة ومتشابكة بين مفهوم الأمن القومي ومجموعة المصالح القومية والمرتبطة بمجموعة القيم القومية.

معنى هذا أن المفهوم يعكس رؤية الحماية الذاتية المرتبطة بحدود الوطن وأوضاعه الداخلية، وأوضاعه الاستراتيجية والجيوبوليكية. ولا شك أن المفهوم في جوهرة مفهوم عسكري ينبع من خصائص الأوضاع الدفاعية للإقليم (الوطن) ويتحول المفهوم النظري إلى قواعد للسلوك الجماعي والقيادي مع مركزية المفهوم العسكري وارتباطه الأصيل بالأوضاع الاستراتيجية، وأيضاً ينسحب مضمون هذا المفهوم على كل مظاهر الاستقرار والثبات.

إن صياغة قواعد الأمن القومي المصري تنطلق من الوظيفة الحضارية للدولة، تتضافر وتتفاعل مع مفاهيم ومرتكزات دفاعية. ولابد من التفريق جيدًا؛ حيث إن مفهوم الأمن القومي المصري ليس مرادفاً لمفهوم الاستراتيجية، بل هو أحد تطبيقات التصور الاستراتيجي. ولابد من الإشارة إلى أمرين مهمين:

– أن مفهوم الأمن القومي يمثل العصب الفكري والقيادي للنظام أو الدولة في حال تطورها وثباتها بشكل مستقر، وهذا المفهوم يستمد قوته من درجة التماسك المجتمعي والتجمع الإرادي حول مصير الوطن، والهدف حماية ذاته حتى يحقق أهدافه ومطالب الشعب الذي أمد النظام الحاكم بشرعية الحكم.

– أن من يقوم بصياغة وتنظير مهام وأهداف الأمن القومي هم نخبة من السياسيين والمفكرين، والمفترض أن تشاركهم مراكز الدراسات والأبحاث. ولكن لا يجب أن يكون كهنوتًا خاصًّا بالنخبة السياسية، مفصولاً عن الشعب والرأي العام، أي أن يكون الشعب مشاركًا في تفسير وصياغة المفهوم من خلال القنوات الشرعية المتعددة، حتى يكون العضد والسند والمدد عن قناعة وعقيدة وطنية لصيانة وحماية أمنه.