مخطط إسرائيلي لفرض السيادة الكاملة على مناطق “C” في الضفة الغربية

قال بيت سليم، خلال تقرير شامل لشهر يونيو 2013، إن نفتالي بنت – وزير الاقتصاد ومدير عام مجلس يهودا والسامرة، دعا مؤخرا إلى فرض السيادة الإسرائيلية على مناطق “C” بشكل أحادي الجانب، ومنح المواطنة الإسرائيلية للسكان الفلسطينيين المقيمين فيها، الذين يصل عددهم بحسب ما يدعي إلى قرابة 50,000 شخص.

كما يتطرق هذه المخطط إلى مناطق “C” كأنها منطقة مستقلة منفصلة عن مناطق الضفة، إلا أن تقسيم الضفة إلى مناطق AوBوCلا يعكس واقعا جغرافيا، بل تقسيم إداري تم كجزء من الاتفاق المرحلي ضمن اتفاقيات أوسلو.

وكان من المفترض أن يكون هذا التقسيم مؤقتًا وأن يسمح بنقل الصلاحيات بشكل تدريجي إلى السلطة الفلسطينية، حيث لم يكن معدًّا لاستيفاء متطلبات واحتياجات النمو الطبيعي الديمجرافي على المدى البعيد، إلا أن هذا الترتيب “المؤقت” يسري على أرض الواقع منذ قرابة 20 عامًا.

تعرف قرابة 60% من أراضي الضفة الغربية على أنها منطقة C، وتسيطر إسرائيل عليها بشكل حصري، ويعيش في هذه المنطقة – وفق التقديرات – قرابة 180,000 فلسطيني، ويوجد بها احتياطي الأراضي المركزي لأغراض التسكين والتطوير لجميع بلدات الضفة الغربية. وفي قرابة 70% من أراضي منطقة Cيمنع الفلسطينيون من أية إمكانية بناء وتطوير بمسوغات مختلفة، كأن يقال إنها “أراضي دولة” أو “مناطق عسكرية مغلقة”.

كما أن سياسة التخطيط والبناء التي وضعتها السلطات على مر السنين تتجاهل بشكل شبه كلي احتياجات السكان؛ فهي ترفض الاعتراف بغالبية القرى في هذه المنطقة ووضع مخططات لها، وتحول دون توسعها وتطورها، وهي تهدم البيوت فيها وتمنع وصلها بالبنى التحتية.

وثمة الآلاف ممن يعيشون تحت خطر دائم بطردهم من أماكن سكناهم، بدعوى أنهم يسكنون مناطق عسكرية مغلقة أو نقاط سكن بدوية “غير قانونية”. إضافة إلى ذلك سيطرت إسرائيل على غالبية مصادر المياه في منطقة Cوهي تقيد وصول الفلسطينيين إلى هذه المصادر.

وفي ظاهر الأمر، تسيطر إسرائيل بشكل تام على منطقة Cفقط، ولكن السياسة الإسرائيلية في منطقة Cتمس مجمل السكان الفلسطينيين في جميع أرجاء الضفة الغربية مسا كبيرا، ففي منطقة Cالواسعة ثمة 165 “جزيرة” من مناطق AوBتحوي التجمعات السكنية الفلسطينية في الضفة، كما أن احتياطي الأراضي الذي يحيط بالمناطق المبنية في بلدات الضفة وقراها، أعلنت في حالات كثيرة كمنطقة C، وإسرائيل تمنع البناء والتطوير فيها.. وهكذا تخنق الحكومة الإسرائيلية بلدات كثيرة في مناطق AوB، ولا تسمح بتطويرها.

هذا عامل من العوامل التي تسهم في صعوبة العثور على أراضٍ مخصصة للبناء، وفي ارتفاع أسعار الأراضي القليلة الشاغرة، وفي قلة المناطق المفتوحة وفي غياب أماكن ملائمة لمنشآت بنى تحتية ومناطق صناعية. وعندما يقوم سكان هذه المناطق – مضطرين – ببناء بيوتهم بلا ترخيص على أراضيهم المجاورة التي عُرفت كمنطقة “C” فإنهم يعيشون في ظل تهديد متواصل بهدم هذه البيوت.

ويصف التقرير السياسة التي تطبقها إسرائيل في منطقة C، وخصوصاً بواسطة الإدارة المدنية، وإسقاطات هذه السياسة على السكان في الضفة الغربية كلها. يرتكز التقرير في عدة مراكز في هذه المنطقة، ونرى أن الإسقاطات على حياة السكان فيها هي خطيرة بشكل خاص:

في جنوب جبال الخليل توجد عشرات القرى الفلسطينية التي ترفض الإدارة المدنية الاعتراف بها، وتمتنع عن تحضير مخططات لها. ويعيش أكثر من ألف شخص في ثمانٍ من هذه القرى تحت خطر الطرد، بادعاء أنهم يسكنون في منطقة أعلنت “منطقة عسكرية مغلقة”.

تخطط الإدارة المدنية في منطقة معاليه أدوميم إخلاء ما لا يقل عن ألفي بدوي فلسطيني إلى ما يسمى “البلدات الثابتة”، وذلك لصالح توسيع المستوطنات في المنطقة وخلق تواصل عمراني بينها وبين القدس. ويأتي ذلك بعد أن جرى إخلاء مئات البدو من المنطقة في الماضي، إلى بلدة ثابتة لصالح إقامة معاليه أدوميم وتوسيعها.

يعاني الفلسطينيون في غور الأردن الهدم المستمر لبيوتهم، ويجبرون على ترك مناطق سكنهم، مرة بعد مرة، لصالح التدريبات العسكرية، وهم يضطرون إلى مواجهة ضائقة مياه شديدة ومصادرة صهاريج المياه التي يستخدمونها للشرب وسقي الضأن.

الخضر، ويتما، وقبية، هي أمثلة لبلدات فلسطينية تقع غالبية منطقتها العمرانية في منطقة B. غالبية أراضيها المتاحة لبناء المساكن ومنشآت البنى التحتية والخدمات موجودة في منطقة C، حيث تحظر الإدارة المدنية البناء والتطوير فيها. ويعيش سكان هذه البلدات ممن شيدوا بيوتهم – مضطرين – على أراضي البلدة التابعة لمنطقة C، في ظل تهديد مستمر بهدم هذه البيوت.

وقد حاول السكان من مناطق الذين تضرروا جراء السياسة الإسرائيلية في مجالي التخطيط والبناء، أكثر من مرة، طلب العون والمساعدة من المحكمة العليا. ولكن من بين عشرات الالتماسات التي قدمت لم تتدخل المحكمة في اعتبارات الإدارة المدنية، وهكذا فإنها سمحت بمواصلة السياسة المؤذية والمقيّدة والتمييزية.

في الوقت ذاته، وخلافاً للقانون الدولي، تشجع إسرائيل على سكن مواطنيها في الضفة الغربية. وهي تخصص للمستوطنات مساحات شاسعة ومصادر مياه سخية، وتقوم بإجراء أعمال التخطيط المفصل التي تأخذ بعين الاعتبار جميع احتياجاتها ونموها المستقبلي، وتتجاهل الانتهاكات الناتجة عن قوانين التخطيط والبناء.

وتنبع سياسة إسرائيل في مناطق Cفي الضفة الغربية من الإدراك القائل بأن “هذه المناطق مخصصة أولاً وأخيراً لخدمة الاحتياجات الإسرائيلية”؛ ولذلك فإن إسرائيل تسعى وبشكل مثابر من أجل تحصين سيطرتها على المنطقة C، وتضييق الخناق على الوجود الفلسطيني فيها، واستغلال مواردها لصالح سكانها، إلى جانب خلق واقع دائم فيها مفاده المستوطنات المزدهرة وأقل ما يمكن من الوجود الفلسطيني. وهكذا تضم إسرائيل هذه الأراضي بشكل فعلي وتخلق ظروفاً تؤثر على مكانة المنطقة الدائمة.

تقوم إسرائيل، عبر سياستها المتبعة في منطقة C، بانتهاك الواجبات الأساسية الملقاة عليها وفق القانون الدولي الإنساني وهي: الحفاظ على المنطقة المحتلة بشكل مؤقت، دون إجراء أي تغييرات عليه ودون استغلال مواردها لصالحها الخاص، وبالأساس: العمل على توفير احتياجات السكان المحليين واحترام حقوقهم.

بدلاً من ذلك، تتبع إسرائيل، عبر الإدارة المدنية، سياسة تهدف لتحقيق عكس هذا بالضبط: فالإدارة المدنية ترفض تجهيز مخططات هيكلية لصالح سكان منطقة C، وهي تستغل غياب هذه المخططات من أجل منع، تقريبًا، أي عملية بناء، ووصل السكان بالبنى التحتية. وعندما يقوم السكان بالبناء، تقوم الإدارة المدنية بهدم هذه البيوت. كما أن إسرائيل لا تولي أي أهمية لحقيقة أن السكان لا يملكون أي خيار قانوني لبناء بيوتهم، وكأن الحديث لا يدور عن نتيجة مباشرة وتحصيل حاصل لسياستها هي.

ما دامت إسرائيل تسيطر على الضفة الغربية، وضمنها المنطقة C، فإن عليها الوفاء بالتزاماتها انطلاقاً من القانون الدولي وقوانين حقوق الإنسان.

أولاً: على إسرائيل إلغاء تخصيص الأراضي الشاسعة التي أعلنت “أراضي دولة” لصالح المجالس المحلية والإقليمية الخاصة بالمستوطنات – التي يعتبر مجرد بنائها انتهاك للقانون الدولي – وإلغاء الإعلان عن مناطق واسعة كمناطق عسكرية مغلقة.

 ثانيًا: على إسرائيل تخصيص أراضٍ للفلسطينيين لأغراض البناء السكني والبنى التحتية والمناطق الصناعية في كل مناطق C، وعليها تسيير إجراء تخطيطي مهني يضع نصب عينيه احتياجات السكان الفلسطينيين. ويجب في هذا الإجراء إشراك ممثلين عن السكان الفلسطينيين- كما يتطلب القانون الأردني الذي كان يسري على الضفة الغربية قبل أن تغيره إسرائيل – وأن يجري الاعتراف بالبلدات القائمة في الضفة ووصل جميع سكان الضفة الغربية، وبشكل فوري، بالبنى التحتية للمياه والكهرباء. كما يجب على إسرائيل العمل والتنسيق مع ممثلي السلطة الفلسطينية؛ من أجل دفع التخطيط في الضفة الغربية كوحدة شاملة، وتوفير احتياجات التخطيط والتطوير لدى سكان الضفة كلها.

وما دامت دولة إسرائيل تستحوذ على صلاحيات التخطيط في منطقة Cولا تسمح للفلسطينيين بالبناء وفقاً للقانون، فإن عليها التوقف فورًا عن هدم المباني، ومن ضمنها البيوت السكنية والمباني المستخدمة لتحصيل الأرزاق (مثل المباني الزراعية والتجارية) وآبار تجميع مياه الأمطار، وإلغاء جميع أوامر الهدم العالقة ضد المباني القائمة. إلى جانب ذلك على إسرائيل الامتناع عن طرد الناس من بيوتهم.