نيل مصر في أدب الرحلات

تحدث الكثير من الرحالة العرب والمسلمين أثناء رحلاتهم عن نيل مصر، وافردوا له فصلا في تدويناتهم لرحلاتهم، فقد كان نهر النيل بالنسبة لأغلب الرحالة العرب والمسلمين لغزا وعجيبة من عجائب الجغرافيا، وسحرا يسحر ناظر أي أجنبي يطأ أرض مصر، وليس الرحالة فقط بل حتى المؤرخين الكبار الذين سطروا تاريخ مصر لم يستطيعوا الحفاظ غالبا على السرد التاريخي في كتاباتهم، فتجدهم يتحولون “لرحالة” حين الحديث عن نيل مصر فيخرجون عن نمط الكتاب ويستطردون في وصفه.

 

بدأ الرحالة الشهير ابن بطوطة رحلته الشهيرة عام 724 هجريا، حيث دخل مصر في عهد الناصر محمد بن قلاوون الصالحي، وبعد أن فرغ من وصفه لمدينة الإسكندرية بدأ، فورا في فصل يتحدث فيه عن نيل مصر، ومن المعتاد من ابن بطوطة اهتمامه إما بالوصف المعماري والبصري أو بالحكايات الشعبية حول الآثار والأحداث، لكنه حين يتحدث عن نيل مصر نجده يستطرد في الوصف والشرح بأسلوب مختلف فنجده يصف بداية نيل مصر وهو الرحالة الذي شاهد من الأنهار الكثير؛ فيقول: “ونيل مصر يفضل أنهار الأرض عذوبة مذاق واتساع قطر وعظم منفعة. والمدن والقرى بضفتيه منتظمة، ليس في المعمور مثلها. ولا يعلم نهر يزرع عليه ما يزرع على النيل. وليس في الأرض نهر يسمى بحراً غيره. ومن عجائبه أن ابتداء زيادته في شدة الحر عند نقص الأنهار وجفوفها، وابتداء نقصه حين زيادة الأنهار وفيضها”.

 

بل من العجيب أن ابن بطوطة يضفي صفة قدسية لنهر النيل، ويتحدث عن وصف ديني إسلامي للنهر، فيستشهد بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل النيل فيقول نصا: “وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصل ليلة الإسراء إلى سدرة المنتهى، فإذا في أصلها أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان. فسأل عنها جبريل عليه السلام فقال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات”.

 

وعن حال النيل يستطرد ابن بطوطة وصفه لحال النيل تشعر معه شعور السائح الذي يرى في النيل عجيبا اعتدنا نحن عليه كأنه أمرا طبيعيا وهو ليس كذلك فيقول: “وأول ابتداء زيادته في حزيران وهو يونيه، فإذا بلغت زيادته ستة عشر ذراعاً تم خراج السلطان. فإن زاد ذراعاً كان الخصب في العام والصلاح التام، فإن بلغ ثمانية عشر ذراعاً أضر بالضياع، وأعقب الوباء. وإن نقص ذراعاً عن ستة عشر نقص خراج السلطان، وإن نقص ذراعين استسقى الناس، وكان الضرر الشديد”

 

 

أما الرحالة ابن جبير وهو المعروف بمحاولة ابتعاده عن المخيلات وأساليب الحكايات والجدية، فقد تناول النيل بشيئ من الإعجاب وتحدث عنه كحاضن للناس، فتحدث عن علاقة الأرض بالنيل أكثر من النيل ذاته فوصف ما رأت عينه على شطئان النيل.

 

“وعلى شط نيلها مما يلي غربيها، والنيل معترض بينهما، قرية كبيرة حفيلة البنيان تعرف بالجيزة. لها كل يوم أحد سوق من الأسواق العظيمة يجتمع إليها.”

 

بل وصل إلى وسط النيل فوصف جزيرته الشهيرة: “ويعترض بينها وبين مصر جزيرة فيها مساكن حسان وعلالي مشرفة وهي مجتمع اللهو والنزهة، وبينها وبين مصر خليج من النيل يذهب بطولها نحو الميل ولها مخرج له. وبهذه الجزيرة مسجد جامع يخطب فيه. ويتصل بهذا الجامع المقياس الذي يعتبر فيه قدر زيادة النيل عند فيضه كل سنة”.

 

بل إنه حتى حين أراد الحديث عن فيضان النيل تحدث عن أثره على الناس وعلاقة الناس بالفيضان وفوائده وضرره فقال عنه: “واستشعار ابتدائه في شهر يونيه، ومعظم انتهائه أغشت “أغسطس”، وآخره أول شهر أكتوبر. فإذا انتهى الفيض عندهم أن يستوفي الماء تسع عشرة ذراعاً منغمرة فيه فهي الغاية عندهم في طيب العام. وربما كان الغامر منه كثيراً بعموم الفيض. والمتوسط عندهم ما ستوفى سبع عشرة ذراعاً، وهو الأحسن عندهم من الزيادة المذكورة.

وذكر لنا أن بالجيزة المذكورة قبر كعب الأحبار رضي الله عنه. وفي صدر الجيزة المذكورة أحجار رخام قد صورت فيها التماسيح، فيقال: إن بسببها لا تظهر التماسيح فيما يلي البلد من النيل مقدار ثلاثة أميال علواً وسفلاً، والله أعلم بحقيقة ذلك”.

 

أما الرحالة الفارسي ناصر خسرو فقد كان مختلفا كزائر غير عربي وبعيون أعجمية، فنراه اهتم بما يهتم به السائح الأجنبي من بحث عن المجهول والغامض فانشغل يتسائل عن أصل النيل ومنبعه فسمع من الناس وقال: “ويقال إن حقيقة منابع النيل لم تعرف وسمعت إن سلطان مصر أرسل بعثة لتتبع شاطئ النيل سنة كاملة ودرسه ولكن أحداً لم يعرف حقيقة منبعه، ويقال إنه يأتي من جبل في الجنوب يسمى جبل القمر”.

 

ويستطرد ناصر خسرو وصفه لحال الفيضان بنفس تلك العيون ناظرا إلى طقوس الناس وحالهم وسلوكهم تجاه الفيضان كعين أعجمية تشاهد هوية مختلفة وشعبا وحضارة كحضارته التي جاء منها فيقول عن الفيضان: “وقد أعدوا له في مصر مقاييس وعلامات ورتبوا عاملاً وظيفته ألف دينار للمحافظة عليها ولتسجيل الزيادة، ومنذ أول يوم للفيضان يطوف منادون في المدينة منادين بأن الله تعالى قد زاد النيل كذا إصبعاً ويذكرون مقدار زيادته كل يوم. وحين تبلغ الزيادة ذراعًا كاملاً تضرب البشائر ويفرح الناس حتى تبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعًا وهي الزيادة المعهودة، يعني أنه كلما قلت الزيادة عن ذلك قيل إن النيل ناقص فتصدقوا ونذروا النذور وعلاهم الغم، فإذا زاد عن هذا القدر فرحوا وأظهروا الغبطة وما لم يصل الارتفاع إلى ثمانية عشر ذراعًا لا يأخذ السلطان الخراج ويتفرع من النيل فروع كثيرة تسير في الأطراف”.

 

ويصف الحال بعد الفيضان: “وشيدت قرى مصر كلها على المرتفعات والتلول وذلك حتى لا تغرق فإن الماء يغمر البلاد كلها وقت الفيضإن وحينئذ يسيرون من قرية لأخرى بالزوارق”.

 

يظهر مما سبق ومن عيون لأشهر الرحلات إلى مصر أن حياة المصريين مرتبطة بالنيل ودورة حياتهم، وحركاتهم تدور مع دورة فيضان النيل، وهؤلاء الرحالة ذهبوا إلى بلدان يمر بها النيل جنوبا ولكنهم تحدثوا عن أشياء أخرى فيقول ابن بطوطة: أن النيل لا يصبح نيلا يفيض بخيره إلا حين يبلغ أسوان وأن السفن والقوارب لا تستطيع أن تسير في النيل بعد أسوان لسرعته وبسبب الشلالات.

 

وتتأكد من هذا الإحساس حين يتحدث الرحالة الغربيين كباولو وبروس الأسكتلندي، وليفنجستون عن النيل وتحركه من كل صوب ومن منابع شتى لكنه يعرف طريقه جيدا إلى أسوان مهما كان مصدره ومنبعه فكل منبع تخرج منه الماء بسرعة فائقة تشق الأرض، وتنحت الصخور، وتتجه نحو هدف واحد “أسوان”.

 

أما صمويل بيكر الذي قضى من عمره الكثير في دراسة النيل قال في كتابه: “إن طمي النيل يأتي لمصر من الحبشة، لمصر دون غيرها” فالنيل في رحلته من الحبشة وبشكل عجيب وغريب يأبى أن يلقي بطميه على ضفتيه قبل ان يصل أسوان، فترى ضفتيه قبل أسوان “صحراء” وحين يدخل أسوان يبدأ في الهدوء والتقاط أنفاسه، بعد رحلة طويلة ويبدأ في إلقاء طميه على جانبيه ويفيض بخيره، لأنه ببساطة نيل مصر.