بناء الحدود الشرقية وأمن مصر القومى (2- 6)

نشرنا الجزء الأول من الدراسة المتناولة الحدود الشرقية لمصر وتاريخها وتأثيرها على الأمن القومى، وقد نشرها المركز الدولى للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية تحت عنوان “بناء الحدود الشرقية وأمن مصر القومى”، وقامت بها د، ألفت أحمد الخشاب – باحثة فى الدراسات السياسية والتاريخية والعلاقات العربية – العربية، واليوم نستكمل نشر الجزء الثانى الذى تتناول فيه شبه جزيرة سيناء من المنظور الاستراتيجى والسياسى، والدور الذى لعبه التاريخ فى الحفاظ على مصرية سيناء، كما يتضمن هذا الجزء مفاتيح شبه جزيرة سيناء ومحاورها المركزية،

شبه جزيرة سيناء من المنظور الاستراتيجي والمنظور السياسي

مثلت سيناء العقدة التي تربط بين قارة إفريقيا وقارة آسيا، فإن المثلث الشمالي منها ويحده الخط من السويس إلى رفح، هو بالتقريب حلقة الوصل بين مصر والشام، والجزء الشمالي منه عند خط عرض 30ْ، وهو إقليم الحركة والوصل، وهو شريان الحركة المحورية بين القارتين، في حين أن المثلث الجنوبي أسفل هذا الخط هو منطقة العزل والفصل، فسيناء هي النقطة الحرجة بين الضلعين الشام ومصر اللذين يكونان وحدة استراتيجية واحدة،

أما المثلث الجنوبي بتضاريسه الوعرة، يأتي كطريق ثاني للحرب وكميدان قتال، ولكن بسبب التقدم العلمي في مجال الطيران والأقمار الصناعية، والتقدم غير المسبوق في علم الاتصالات، فهو مصدر حظر يهدد عمق مصر في الصعيد، ومثال على محاولة إسرائيل اختراق البحر الأحمر لغرب نجع حمادي وحلوان،

وتتركز قيمته الاستراتيجية عند رأس شبه الجزيرة عند شرم الشيخ، ومحور الحركة البرية على ضلعي ساحل جنوب سيناء يتمثلا في سهلين ضيقين، وهما يلتقيان عند شرم الشيخ مما يضاعف من أهميتها، فهي مفتاح استراتيجي في المثلث الجنوبي وهو وحده الذي يتحكم تمامًا في خليج العقبة دخولاً وخروجًا عن طريق مضيق تيران، وهي ضابط إيقاع الحركة هناك،

وكقاعدة جيوستراتيجية، فإن مفاتيح شبه جزيرة سيناء تقع على أربعة محاور مركزية يمكن عرضها بإيجاز شديد وهي:

المحور الشمالي:أو الساحل، وهو الطريق التاريخي، طريق القوافل الذي يرسمه اليوم خط السكة الحديدية الوحيد عبر سيناء، بالإضافة إلى طريق بري ممهد للسيارات، الطريق غني بالمياه والآبار نسبيًّا، وتم تعزيزه بأنبوب مياه من نهر النيل عبر القناة، وهو رخو لا يصلح كميناء، ويبدأ على القناة عند القنطرة ويمر موازيًا بسهل الطينة، ويتجه شرقًا قرب بالوظة (الفرما) ثم رمانة، بير العبد على طريق بحيرة البروديل ومنها إلى العريش والشيخ زويد ثم رفح المصرية، ويعتبر هذا المحور أهم خط استراتيجي بعد المحور الأوسط،

المحور الأوسط:يمتد من الإسماعيلية إلى أبو عجيلة، وهو العمود الفقري في محاور سيناء الاستراتيجية، هذا المحور يؤدي مباشرة إلى قلب الدلتا غربًا في مصر عن طريق وادي الطميلات، وشرقًا إلى قلب فلسطين، يبدأ المحور على القناة إزاء الإسماعيلية في حال من يهاجم مصر والقناة من الشرق، ويمتد إلى جبل الختمية وجبل أم خشيب، ويتجه شرقًا نحو بئر الجفجافة الذي يعتبر المدخل بين جبل المغارة في الشمال وجبل يلق في الجنوب، ثم يتجه شمالاً لمدخل ينحسر من جبل لبني في الشمال وجبل الحلال في الجنوب، ويستمر المحور وصولاً إلى أبو عجيلة حيث يتصل المحور الأوسط بالمحور الشمالي ليؤدي إلى قلب فلسطين.

المحور الجنوبي:يمتد ما بين السويس والقسيمة، ويبدأ المحور إزاء السويس – خليج السويس، وهو طريق إلى القاهرة مباشرة ويتجه المحور إلى الكوبري والشط ويصل إلى ممر متلا، هذا الممر له أهمية قصوى في الدفاع عن السويس والقناة والقاهرة، ثم يتجه إلى قمة وادي البروك، ويمضي إلى الجنوب من جبل الحلال إلى القسيمة قرب الحدود مباشرة، ويتصل المحور الجنوبي بالمحور الأوسط عن طريق نقطة أبو عجيلة ويتجه مباشرة إلى قلب فلسطين.

المحور الفرعي:يخرج من المحور الجنوبي إلى رأس النقب نهاية خليج العقبة، فبعد ممر متلا يتجه مارًّا على وادي العريش، وأخيرًا إلى رأس النقب على الحدود قرب طابا، والعقبة الأردنية، هذا المحور هو طريق أو درب الحج وهو محور استراتيجي بديل.

ويترتب على ما سبق، وجود ثلاثة خطوط دفاعية أساسية محددة بوضوح من الشرق إلى الغرب، أي من الحدود حتى القناة، الخط الأول قرب الحدود الشرقية ويكاد يوازيها، والخط الثاني خط المضايق من السويس إلى البردويل، والخط الثالث هو قناة السويس وهي خاصرة مصر الاستراتيجية والتي غيرت الخريطة الجيوستراتيجية وتعتبر خط دفاعي فريد من نوعه وهو الذي يحمي الدلتا والوادي.

بهذا التوصيف الجيوسياسي من المنظور الاستراتيجي والمنظور السياسي، يبدو جليًّا أن شبه جزيرة سيناء هي مرتكز الأمن القومي المصري، حيث أنها تلعب دورًا أساسيًّا في نظرية الأمن القومي المصري ومن ثم في تشكيل السياسة الخارجية المصرية، فلا شك أنها الأخطر.

ومن هنا، لا بد من أن تكون شبه جزيرة سيناء محصنة تحصينًا أساسيًّا ابتداء من رفح والعريش إلى بالوظة (الفرما) والسويس ومن العقبة إلى نخل، وهناك معادلة استراتيجية أصبحت في وضع البديهية على النحو التالي:

– من يسيطر على فلسطين يهدد خط دفاع سيناء الأول (الحدود).

– من يسيطر على خط دفاع سيناء الأوسط يتحكم في سيناء (الممرات).

– من يسيطر على سيناء يتحكم في خط دفاع مصر الأخير (قناة السويس).

– من يسيطر على خط دفاع مصر الأخير يهدد الوادي.

وقد لعب تاريخ المنطقة دورًا أساسيًا في أمرين خطيرين وهما:

– الحفاظ على مصرية سيناء.

– الحفاظ على سلامة مصر الإقليمية والتصدي لأي محاولة لسلخ شبه جزيرة سيناء الجناح الشرقي عن مصر.

هذان الأمران تمثلا في صناعة أول خط حدودي في المنطقة العربية، وهو الحد الشرقي المصري الذي تم تعيينه عام 1892 وتعليمه 1906 من خلال اتفاقه دولية، وباعتراف دولي “اتفاقية 1906”.

ولا بد هنا من التأكيد على عدة حقائق مهمة نذكر:

– ملفات التاريخ تمثل حركة إنسانية، وهي حركة تغير وتطور، وهي مادة علمية متسعة تسمح للباحثين والدارسين والمهتمين بتاريخ الوطن – أن يرصد ويسجل صورة متكاملة للأحداث.

– ملفات التاريخ لا يجب أن تغلق لأنها ليست مفصولة عن الحاضر، وإنما بداخلها جزء دينامكي ونشط، إذا ما أحسن قراءته ودراسته وفق منهج علمي سليم، حيث يتمكن من التفاعل مع الحاضر، ومنه يمكن استشراف المستقبل.

– لدى مصر مخزون هائل ومتراكم من الملفات المهمة التي تعتبر مددًا فكريًا ومعينًا لا ينضب، لذا لا يجب أن ينظر إليه باعتباره ملفًا متجمدًا، وإنما لا بد من الاستفادة منه جيدًا ليتفاعل مع كل معطيات العصر.

– إعادة دراسة تاريخ صناعة الحد الشرقي، وهو الحد الأكثر تهديدًا، بمثابة ترسيخ في الوجدان الوطني المصري لأهمية الحدود السياسية، وزيادة الوعي القومي، ووعيه بالتناقضات والتهديدات والتحديات التي تواجه هذا الحد باعتباره الحد الوحيد مع إسرائيل التي تعتمد عقيدة عسكرية توسعية.

– قاعدة تاريخية ذهبية تقول: “من لم يقرأ التاريخ عليه أن يعيشه مرتين”، ونرجو ألا يعيشه شعب مصر مرتين.

تلك بعض الحقائق المهمة والدروس المستفادة التي لا يصح إغفالها عند فتح وطرح ملفًا تاريخيًا أو ملفًا سياسيًا.