“بالعقل نبدأ” يعرض “الثورة على الكتالوج الأمريكى”

عقد فريق “مشروعنا بالعقل نبدأ” ضمن فعاليات حملة “بالعقل مش هنخاف ” ندوة بمقر المشروع بعنوان “الثورة على الكتالوج الأمريكي”  وهي الأولى ضمن سلسلة ندوات “الثوابت الوطنية المصرية”، ألقاها المهندس محمد عصمت سيف الدولة، تناول فيها مواصفات النظام الموضوع من قبل الأمريكان للحكام المصريين وطرق الخروج منه.

وبدأت الندوة بالإشارة إلى أن غالبية الشعوب تثور دائما ضد الحاكم ولكن لما خرجت الجموع 25  يناير عام 2011 بهذا الهتاف الجديد على الأسماع، و استلهمته من ثورة تونس “الشعب يريد اسقاط النظام” استبشر الجميع الخير، لوعى الشعب أن المشكلة ليست في الحاكم فقط ولكن في النظام الحاكم كأساس.

توحد الشعب ونجح في الخطوة الأولى وهي اسقاط مبارك ولما حانت اللحظة الثانية، وهى اسقاط النظام نفسه فشلت الجموع بسبب أنهم غير متفقين على تعريف النظام فكان لابد من التعريف بهذا النظام أو الكتالوج وما هي خصائصه.

مقدمة تاريخية

وكان الاعتقاد السائد عند فرنسا والغرب عموماً أن الأمة العربية أمة لا خطر منها فهي أمة قد ماتت وأصبحت بلا قيمة وقد عزز هذا الاعتقاد وجود إسرائيل والطريقة التي تعامل بها العرب مع هذه القضية.

ومع ظهور حركات التحرر في العالم العربي وتأميم القناة وتحرير الجزائر ودعم المقاومة الفلسطينية وظهور الحالة العربية الداعية إلى عدم الانحياز والتي تطالب بالحرية والاستقلال الوطني والاقتصادي بدأت القوى الغربية في القلق.

ولكن سرعان ما انتفى هذا القلق بعد حرب 1967 وعادت الطمأنينة مرة أخرى للغرب.حتى جاء انتصار 1973 فصُدم الغرب بتخطيط علمي ووحدة شعبية لم يتوقعونها والتى أحدثت جرحاً عميقاً في مائتي سنة قناعة من أن العرب قوم لا خوف منهم.

منذ ذلك التاريخ تحولت عقلية الغرب إلى أنه يجب تفكيك وإعادة تشكيل وترتيب مصر وتكوين عقلية مصرية جديدة لا تفكر أصلاً في مقاومة الغرب أو تحاول الخروج عن المسار المحدد سلفاً لها والمسمى بالكتالوج الأمريكي، والذى أصبحت مصر تُحكم وتُدار بموجبه بداية من التزام السادات به ومن بعده مبارك وذلك منذ عام 1974.

ويعتبر هذا الكتالوج هو الدستور الفعلي والحقيقي لمصر وله السيادة على دستور 71. هذا الكتالوج كان الهدف منه هو تفكيك مصر المنتصرة بحرب 73 واستبدالها بمصر أخرى غير راغبة في مواجهة إسرائيل وغير قادرة على ذلك إن هي رغبت.

ولهذا الكتالوج المقدس خمسة أبواب استعرضها المحاضر باباً باباً :

 الباب الأول : إبقاء سيناء رهينة ولإسرائيل أن تعيد احتلالها في أي وقت تريد

والهدف من ذلك وضع أي نظام مصري تحت تهديد وضغط مستمرين تجعله غير قادر على اتخاذ أي خطوة أو تبني أي سياسة على غير هوى الولايات المتحدة وإسرائيل

ولتحقيق ذلك اتخذت أمريكا الآتي :

1)    18 يناير 1974 كان موعد ميلاد هذا النظام عندما قبل الرئيس السادات إعادة ثمانون ألف جندي مصري -وهو تعداد القوات العابرة للقناة – الى الشط الغربي للقناة في اتفاقيات فض الاشتباك الأول.

2)    الموافقة على الترتيبات الأمنية الواردة في اتفاقية السلام والتي بموجبها تم تقسيم سيناء من الغرب للشرق للمناطق (أ) و (ب) و (ج)

(أ‌)    عرضها 58 كم ومسموح فيها بتواجد 22 ألف جندي و 230 دبابة أي ما يوازي ربع القوات التي عبرت

(ب‌)  وعرضها 109 كم ومسموح فيها بتواجد أربعة ألاف جندي حرس حدود ذات التسليح الخفيف

(ج‌)  وعرضها 33 كم ومسموحفيها  بتواجد الشرطة المدنية فقط

بينما تقع المنطقة (د) داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وعرضها 3 كم فقط وبذلك تصبح أقرب دبابة إسرائيلية على بعد 3 كم من الشريط الحدودي لمصر بينما أقرب دبابة مصرية على بعد 140 كم ، وبموجب هذه الاتفاقية أصبح ولأول مرة أن توافق بلد على معاهدة تنحاز للأمن القومي لعدوها على حساب أمنها القومي

3)    اقناع مصر بضرورة تواجد قوات حفظ سلام داخل سيناء بتفويض أمريكى في حالة عدم موافقة مجلس الأمن لإرسال قوات تابعة له. وبالفعل وافقت مصر وتولت الولايات المتحدة الأمريكية تشكيل القوات متعددة الجنسيات والمراقبين.

وتمثل أمريكا حوالي 40 % من جملة هذه القوات فى حين تمثل القوات الباقية حلفاء أمريكا من حلف الناتو أو أمريكا اللاتينية ووالتى تتولى أمريكا أيضاّ قيادتها. جدير بالذكر أن هذه القوات كلها موجودة على الأراضي المصرية، أما على الأراضي المحتلة فيوجد ما يوازى من 50 إلى 70 مراقب مدني فقط.

هذه هي خلاصة التدابير الأمنية في سيناء والتي تحول دون قدرتنا على الدفاع عنها. ويعتبر هذا الوضع بمثابة ” طبنجة ” تهديد موجهة إلى رأس مصر في حالة مخالفة أمريكا أو إسرائيل . وهو الأمر الذي تكرر أكثر من مرة بالفعل والذى يؤكد أن سيناء ما هي الا ورقة ضغط وأداة تهديد لأي نظام مصري لتنفيذ الأوامر الأمريكية.

 الباب الثاني : تصفية القطاع العام المصري

من نتائج نصر أكتوبر انه اوضح قوة الاقتصاد المصرى الذى استطاع أن يمول الحرب ، فكان التفكير بضرورة تجريد مصر من كل المقومات الاقتصادية التي تدعم المجهود الحربي، والعمل على ربط الاقتصاد المصري بالاقتصاد العالمي بما يفقده استقلاليته. وذلك عن طريق:

·        صدور قانون الانفتاح الاقتصادي في مارس 1974 بعد شهرين من اتفاقية فض الاشتباك الأول وقبل انسحاب القوات الصهيونية من سيناء. فمنذ ذلك الحين مارست الإدارة المصرية بنشاط وحماس عملية بيع للقطاع العام تحت ما يسمى ( بالخصخصة ) ولم يكن ذلك انحيازاً للقطاع الخاص ولكنه قرار حرب صادر من وزارة الخارجية الأمريكية من خلال آليات ضغط عبر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وهيئة المعونة الأمريكية.

·        استبدال دور القطاع العام فى دعم المجهود الحربى بالمعونة العسكرية الأمريكية وتقدر بـ 1.3 مليار دولار سنويا ً مقابل 2.4 مليار دولار لإسرائيل وبذلك تضمن أمريكا تفوق اسرائيل عسكريا ً وأهم من ذلك أنها ستكون باستمرار على إحاطة تامة وشاملة بقدراتنا العسكرية.

الباب الثالث : ضمان نظام سياسي أبدي يعترف بإسرائيل ويسالمها

استبد القلق والخوف بالأمريكان من أن يأتي نظام حاكم في مصر ينقلب على سياسات السادات كما انقلب السادات على سياسات ناصر بكل سهولة فقرر الأمريكان وضع شرط أساسي للسماح لأي مصري بممارسة السياسة وهو الاعتراف بإسرائيل وحقها في الوجود والسلام معها عن طريق:

·        اصدار قانون الأحزاب السياسية في عام 1978 الذي اشترط أن يكون على رأس برنامج الحزب الحاكم في مصر أن السلام خيار استراتيجي – والمقصود بذلك هو أمن إسرائيل –

·        صدور اللائحة الطلابية في عام 1979 والتي تحظر العمل السياسي داخل الجامعات المصرية والتي كان بحق مصنعا ً لكثير من رجال المقاومة والاستقلال الوطني حيث كان الطلاب من جميع التيارات ينصهرون داخل بوتقة الاستقلال والوطنية وكانوا من أكبر وسائل الضغط على السلطة الحاكمة للإسراع بالحرب والحصول على الاستقلال فلم يكن بغريب ولا صدفة ان تصدر اللائحة الطلابية في نفس عام توقيع اتفاقية السلام.

 الباب الرابع : إيجاد طبقة تتبنى المشروع الأمريكي وتدافع عن النظام الجديد وتحميه ضد باقي طبقات الشعب

تم ذلك عن طريق :

·        تصنيع طبقة من رجال الأعمال المصريين بأموال المعونة الاقتصادية الأمريكية والتي تقدر بنحو 800 مليون دولار سنويا والتى لم تتقلص إلا في السنوات الأخيرة

·        اعتماد هيئة المعونة الأمريكية على التعاقد مع مئات الأفراد والشركات على مئات المشروعات بتسهيلات هائلة  وبفائدة مؤجلة وصلت إلى 1.5 % في الوقت الذي كانت الفائدة فيه في البنوك المصرية 15 %

·        لجوء الأمريكان إلى اختراق التعليم المصري عن طريق 20 ألف خبير وعن طريق المدارس الأجنبية عالية التكاليف فلا يقدر عليها إلا أبناء الطبقة السابق ذكرها ثم تسهيل دخول أبناء تلك الطبقة للجامعات بامتيازات عن أبناء أغلبية الشعب (نظام الدبلومة الأمريكية والبريطانية)، ثم مؤخراً عن طريق انشاء الجامعات الخاصة عالية التكاليف وبمجموع أقل بكثير من الجامعات الحكومية.

كل هذه الإجراءات كان الغرض منها سيطرة أبناء الطبقة الموالية للنظام الأمريكي على قيادة الأمور في البلاد. حيث تمت المهمة بنجاح وتم تصنيع الطبقة التي أصبحت تملك مصر الآن وتديرها، فأصبحت تعقد اتفاقيات البترول والغاز والكويز مع إسرائيل، وتستورد المحاصيل الإسرائيلية وتصدر الأسمنت والحديد المصري لبناء الجدار. كل ذلك بالاضافة الى امتلاك القنوات الفضائية والصحف والجمعيات الأهلية التى تعمل على تشكيل الوعي المصري وتزييف الحقائق ليل نهار فتجعل من العدو صديق ومنالصديق عدو.

الباب الخامس : عزل مصر عربياً

ترجع أهمية هذا الباب في الكتالوج الأمريكي إلى الرغبة في عزل مصر عن الأمة العربية والإسلامية وضرب أي جماعة او فكرة أو عقيدة تعادي المشروع الأمريكي الصهيوني

·        كانت الخطوة الأولى لتنفيذ هذا الباب هي المادة السادسة من معاهدة السلام التي نصت صراحة ً على أولوية هذه المعاهدة عن أي التزامات مصرية سابقة عليها وبالأخص اتفاقيات الدفاع العربي المشترك.

·        كما ألزمت نفس المادة بعدم الدخول في اتفاقيات جديدة تتعارض مع أحكام ونصوص معاهدة كامب ديفيد.

·        أما الخطوة التالية هي تشكيل جيش من المفكرين والكتاب والصحفيين والإعلاميين تتلخص مهمته في توجيه ضربات فكرية ثقيلة إلى كل ماهو إسلامي أو عربي أو وطني او تقدمي أو باختصار يدعو للاستقلال والتخلص من التبعية الأمريكية.

افتتح ذلك الهجوم توفيق الحكيم في أواخر السبعينات بمقالة ” حياد مصر ” والتي طالب فيها أن تقف مصر على الحياد من فلسطين وإسرائيل كما فعلت سويسرا في الحرب العالمية الثانية. ثم انضم إليه في الهجوم لويس عوض وحسين فوزي بهجمة عنيفة على عروبة مصر ونادوا بفرعونيتها وبالصلات التاريخية بيننا وبين اليهود. وهؤلاء تصدى لهم نخبة من الكتاب الوطنيين أمثال أحمد بهاء الدين ورجاء النقاش. ومازالت تلك الحرب الفكرية بين الكتاب الوطنيين وبين الداعين للمشروع الأمريكي حتى الآن تدور رحاها في ميدان الوعي الشعبي ومعتقدات الناس من حيث هما خط الدفاع الأخير والأصلب عن الوطن.

ختام الندوة

اختتم المحاضر ندوته بالتعليق على أن قيام الثورة المصرية في 25 يناير 2011 أسقط رأس النظام ولكن لم يسقط النظام بعد، ونتيجة لعمل هذا الكتالوج لأكثر من 30 عاما ً أصبح الشعب ونخبته يخشون الحديث عن أمريكا وإسرائيل، ضُربت الهوية وأضحى التناحر بين إسلامي شرير ومدني طيب أو مدني شرير وإسلامي طيب ،فأصبحنا نقتل بعضنا البعض من أجل 15 مادة في الدستور ولكن لا تهتز شعرة لشعب ولا معارضة ولا حكام لقتل 16 جندي مصري على يد إسرائيل لأن الحديث عن هذه النقطة سيغضب أمريكا وإسرائيل ، وأصبحت المحصلة ان الكل يخطب ود أمريكا ويشتكي بعضه بعضاً لأمريكا

ولكن ان لم يكن النظام قد سقط بعد ولكن مقومات سقوطه قائمة ألا وهي إعادة تشكيل الوعي المصري مرة أخري وفق هذه الثوابت الوطنية وعلى رأسها تمزيق ذلك الكتالوج الأمريكي .